بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما نبحث في دفاتر الحوادث المعاصرة، لا نكتفي برصد الجريمة بشكلها التقليدي من سرقة أو قتل، بل نتأمل اللحظة الفاجعة التي تتخلى فيها النفس البشرية عن فطرتها السوية وقيمها الأصيلة من أجل اللحاق بـ “هوس الشهرة وزيادة نسب المشاهدات”. لم يعد الابتذال بحاجة لأبواب مغلقة ليمارس ألاعيبه، بل أصبح يعرض نفسه وقاحته في فضاء واسع على شاشات الهواتف الذكية، يتسلل إلى بيوتنا وعقول أطفالنا ليدمر الثوابت بدم بارد. والأنكى من ذلك كله، والأكثر إيلاماً للضمير، هو حين تتحول الأم غريزياً من مربية وحامية لبيتها وحافظة لعرضها، إلى “مهندسة” في فوضى السقوط، تقود ابنتها بطلة معها في مستنقع العبث لجني حفنة من الجنيهات المغموسة في هوان الكرامة.
الأمر هنا تجاوز فكرة العفوية، ودخل مرحلة الفجاجة والمتاجرة بالقيم المجتمعية؛ حيث كانت الأعين الساهرة بالإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة ترصد وتتبع نشاطاً إلكترونياً مشبوهاً قادته سيدة صانعة محتوى رفقة نجلتها الشابة على مواقع التواصل الاجتماعي. نشاط لم يكن يقدم محتوى نافعاً أو حتى ترفيهاً بريئاً، بل كان عبارة عن بث مقاطع فيديو وُصفت رسمياً بـ “المقززة”، تتضمن قيامهما بتناول المأكولات بطرق غريبة ومنفرة للعين تتنافى مع الذوق الإنساني، مشوبة بالتلفظ بألفاظ خارجة وبذيئة تخدش الحياء العام وتضرب بـ “القيم الأسرية” عرض الحائط، ليتحول طبق الطعام أمامهما إلى مسرح لاستجداء “اللايكات” بأي ثمن.
القصة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نشاطاً تجارياً خبيثاً جرى التخطيط له وتنفيذه بعناية، لتتحول شاشات الهواتف إلى نافذة يطل منها الابتذال على مجتمعنا. وبعد تقنين الإجراءات واستصدار إذن النيابة العامة، قامت مأمورية أمنية بضبط السيدة وابنتها متلبستين بنشاطهما، أثناء تواجدهما بدائرة قسم شرطة الدخيلة غربي الإسكندرية. وبتفتيشهما، عثرت القوات بحوزتهما على ثلاثة هواتف محمولة؛ وبفحصها فنياً تفجرت المفاجأة، حيث تبين احتواؤها على المقاطع المصورة والدلائل الرقمية والرسائل التي تؤكد نشاطهما وتثبت المؤامرة الأخلاقية. وبمواجهتهما أمام رجال المباحث، انكسرت أقنعة الشهرة الافتراضية، واعترفت الأم وابنتها بمرارة بنشرهما تلك المقاطع عمداً، قاصدتين زيادة نسب المشاهدة والتفاعل بأي شكل، تحقيقاً لأرباح مالية سريعة وسهلة.
إن خطورة هذه القضية تكمن في كونها تكشف بوضوح عن الوجه المظلم لعالم “صناعة المحتوى”، حيث تتحول منصات التواصل الافتراضية إلى شاشات تطحن الأخلاق، وتتحول الأرقام والأرباح الرقمية إلى غاية تبرر كل الوسائل المنحطة، حتى وإن كانت الوسيلة هي المتاجرة بوقار العائلة وعرض الألفاظ البذيئة على مشاع الملايين.
سيسدل الستار قانوناً، وتحال القضية إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة، وستبقى الهواتف مغلقة والمتهمتان خلف القضبان بعيداً عن صخب الشاشات وزيف التعليقات، ولكن يبقى التساؤل:
فكيف لنا بعد اليوم أن نحمي عقول صغارنا من هذا الطوفان الرقمي الذي يلتهم براءة البيوت في صمت، وهل يكفي الحبس وحده لتطهير شاشاتنا من هذا العفن؟
