بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تشتعل قضايا الرأي العام، لا يتوقف الأمر عند حدود ساحات المحاكم أو كواليس التحقيقات الأمنية، بل ينتقل الصراع سريعا إلى الفضاء الرقمي، حيث تتحول الحسابات الشخصية للمشاهير إلى منابر تطلق أحكاماً وتصيغ توجهات قد تزيد المشهد تعقيداً وخطورة. وفي الوقت الذي لا يزال فيه صدى قضية طبيبة مستشفى الشاطبي “أمنية سويدان” يتردد بقوة في الشارع المصري عقب إلقاء القبض عليها، دخلت النخبة الفنية على خط الأزمة بشكل صادم، ليرتفع سقف المواجهة من مجرد خلاف قانوني حول “نشر أخبار” إلى مطالبات علنية بتوقيع أقصى العقوبات الجنائية وأقساها على الإطلاق.
هذه المواجهة الرقمية العنيفة تجسدت بوضوح فيما نشره الفنان محمد غنيم عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حيث أطلق منشوراً مقتضباً يحمل نبرة حادة وشديدة اللهجة أثارت جدلاً واسعاً؛ كتب فيه نصاً: “إذا لم تقدم الطبيبة أمنية سويدان أدلة مادية ووثائق تؤيد كلامها أطالب بإعدامها”.
المنشور الذي جرى تداوله على نطاق واسع عبر المنصات الإخبارية وتحت وسم “أخبار وقضايا اليوم”، يعكس حجم الاستقطاب الحاد المحيط بالقضية. فبدلاً من انتظار المسارات القانونية الرسمية للتحقيق فيما ورد بشهادة الطبيبة الشابة حول وقائع قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي، جاءت مطالبة غنيم بالإعدام كخطوة تصعيدية تعبر عن رفض جارف للشهادات التي تمس المنظومة الطبية دون وثائق رسمية فورية، معتبراً أن غياب الدليل المادي الفوري في مثل هذه القضايا الحساسة التي تمس قطاعاً حيوياً بالدولة يعد جرماً يستوجب العقوبة الأقصى.
إن خطورة هذا الدخول الفني على خط الأزمة تكمن في كونه ينقل القضية من مسار التحقيق المهني والجنائي الهادئ، إلى ساحات “المحاكمات الشعبية الرقمية” التي تُدار بوهج العواطف والمنشورات الحماسية، مما يضع ضغوطاً إضافية على القضية التي تحولت في غضون أيام قليلة من مجرد بوست شهادة على فيسبوك إلى قضية رأي عام متشابكة الخيوط.
ومع بقاء الطبيبة أمنية سويدان قيد الاحتجاز والتحقيق، ومطالبة أطراف عدة بضرورة استجلاء الحقيقة ومحاسبة المخطئين أياً كانت مواقعهم، يبقى التساؤل الفلسفي والموجع الذي يفرض نفسه على الساحة الآن:
هل تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات بديلة لإصدار أحكام الإعدام المعنوية والقانونية قبل أن تقول جهات التحقيق كلمتها الفصل، وأين يختفي خيط الفارق الرفيع بين طلب إثبات الحقيقة وبين التحريض على تصفية الحسابات خلف الشاشات؟
