بقلم: رنيم علاء نور الدين
في عصرنا الحالي، أصبحت الشاشات الصغيرة ومنصات التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين؛ فبينما يراها البعض وسيلة لنصرة المظلوم، يستغلها آخرون كستار زائف لحياكة قصص وهمية واستجداء تعاطف الرأي العام. قضية اليوم تكشف كيف يمكن لـ “فيديو استغاثة مفبرك” أن يقلب الحقائق رأساً على عقب، ويحول رجل الأمن الذي يؤدي واجبه بإنفاذ القانون إلى متهم بقطع الأرزاق، قبل أن تسقط الأقنعة وتنكشف الحيلة أمام يقظة الأجهزة الأمنية.
هذا السيناريو المفتعل نجحت وزارة الداخلية في كشف كواليسه، بعدما رصدت مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع عبر السوشيال ميديا؛ تضمن ادعاءً باطلاً من سيدة تزعم فيه قيام أحد أفراد الشرطة بالتسبب في طردها من عملها داخل أحد المراكز التجارية الشهيرة بالإسكندرية، إثر فحص بلاغ سرقة، مما تسبب—حسب زعمها—في علم إدارة المركز بأنها وعائلتها من ذوي المعلومات الجنائية.
وبالفحص الدقيق والتحريات الموسعة، تبين أن الواقعة الحقيقية بدأت في منتصف هذا الشهر، وتحديداً بتاريخ 15 يونيو، حينما تلقت الخدمات الأمنية المعينة لتأمين مركز تجاري بدائرة قسم شرطة محرم بك بلاغاً من إحدى السيدات يفيد بسرقة هاتفها المحمول داخل دورات المياه بالمركز.
وأثناء قيام فرد الشرطة المعين بخدمة المكان بفحص البلاغ وسؤال القائمة بالنشر—كونها عاملة النظافة المتواجدة بالمحيط—حضرت عاملة أخرى بالمركز، وقررت بعثورها على الهاتف المفقود داخل دورات المياه. وجرى تسليم الهاتف فوراً لصاحبته وتحرير المحضر اللازم لإنهاء الأمر دون أي أزمات.
المفاجأة الكبرى تفجرت عند مواجهة القائمة بالنشر؛ حيث انارت الحقيقة واعترفت السيدة بدم بارد أن فرد الشرطة لم يتجاوز في حقها نهائياً، وأنها اختلقت قصة “الطرد والاضطهاد” وصورت مقطع الفيديو ونشرته بهدف واحد: الحيلولة دون قيام إدارة المركز بفصلها من عملها، ومحاولة للضغط عليهم باسم “الاستعطاف الإلكتروني”، ليتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة.
إن هذه الواقعة تمثل درساً بليغاً في عدم الانسياق وراء أي محتوى رقمي يروج للمظلومية دون انتظار الرواية الرسمية المدعومة بالحقائق والتحقيقات، لتظل العين الساهرة بالمرصاد لكل من يحاول تضليل المجتمع بمقاطع مفبركة.
ومع إسدال الستار على حيلة عاملة النظافة، يبقى التساؤل الفلسفي والناري الذي نلقيه في وجه هذا الزيف:إلى متى يظل الفضاء الإلكتروني وسيلة سهلة لفبركة القصص وادعاء المظلومية لغسل الأخطاء، وكيف يمكن للإعلام والوعي الشعبي أن يقفا حائط صد ضد “مسرحيات السوشيال ميديا” التي تحاول تشويه الحقائق والالتفاف على القانون؟
