بقلم: رنيم علاء نور الدين
بين جدران محكمة جنايات القاهرة العريقة، لم يكن الحكم الصادر مجرد عقوبة قانونية تُتلى في قاعة صامتة، بل كان أشبه بصرخة حق مدوية تنهي واحدة من أبشع وأغرب المآسي الإنسانية التي شهدها الشارع المصري في الآونة الأخيرة. قضية تجسد كيف يمكن للجحود البشري أن يسرق براءة طفلة، ويزيف هويتها، ويحيل سنوات عمرها إلى رحلة عذاب يومية في طرقات التسول واستجداء العطف برخص التراب.
اليوم، أسدلت المحكمة برئاسة المستشار الدكتور محمد ياسر أبو الفتوح، وعضوية المستشارين محمود يحيى رشدان، وفاطمة محمد قنديل، وأحمد القاضي، الستار على فصول هذه الدراما الحزينة، بمعاقبة المتهمة بخطف الطفلة “ندى” بالسجن المؤبد؛ لتنال جزاء ما اقترفته يداها من تدمير لأسرة كاملة على مدار اثني عشر عاماً متواصلة.
وقفت المتهمة—التي تبين أنها تعمل عاملة نظافة وتقطن في دائرة قسم شرطة الوايلي—أمام منصة العدالة تحاول بدموع متأخرة وبكاء مصطنع أن ترتدي ثوب الضحية. زعمت بدم بارد أنها لم تخطف الصغيرة، بل وجدتها تائهة في أزقة الشوارع منذ عام 2014، فقررت أخذها لتربيتها برفقة شقيقتها، مدعية أنها خشيت تسليمها لأقسام الشرطة خوفاً من إيداعها دور الرعاية (الأحداث)! وحينما واجهتها المحكمة عن سر حرمان الطفلة من التعليم والمدارس، تحججت بغياب الأوراق الثبوتية.. وكأن الحرمان كان صنيع القدر لا صنيع يدها الشيطانية.
لكن خلف هذا القناع الزائف، كانت التحريات الأمنية الذكية التي قادتها أجهزة وزارة الداخلية تكشف وجهاً آخر شديد القبح للجريمة. القصة التي بدأت من “تريند” ونقاشات اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التليفزيونية حول اختفاء طفلة منذ سنوات طويلة، تحولت إلى خيط رفيع قاد رجال الأمن لفك طلاسم القضية.
تبين أن المتهمة لم تتحرك بوازع الأمومة أو الإنسانية، بل بخطة “شيطانية” مدروسة؛ حيث قامت بتزوير أوراق رسمية وثبوتية لنسب الطفلة إلى زوجها، بل ووصل بها الجبروت لاستخراج شهادة وفاة مزورة للزوج نفسه، لتبدو “ندى” أمام الجمعيات الخيرية والمواطنين في الشوارع كطفلة “يتيمة الأبوين”، بهدف التربح الرخيص من وراء دموعها واستغلالها في أعمال استجداء العطف والتسول.
ومع ثبوت الجرم وسقوط الأقنعة، جاءت لحظة النهاية التي تشبه معجزات الروايات؛ حيث تم التوصل إلى والدي الفتاة الحقيقيين القاطنين بدائرة قسم شرطة “الظاهر”، وبعد إجراء الفحوصات القانونية وصحة النسب، عادت الابنة الراحلة إلى أحضان أمها.
داخل قسم الشرطة، اختلطت صرخات الفرح ببكاء مرير عجزت الكلمات عن وصفه؛ وهي تضم ابنتها التي فارقتها رضيعة لا تقوى على الحركة، وعادت إليها اليوم “عروساً” في مقتبل العمر، لتنتهي رحلة بحث مريرة ظن الجميع خلالها أن الأمل قد انقطع.
إن السجن المؤبد الصادر اليوم هو القصاص العادل لكل ليلة قضتها “ندى” في صقيع الشوارع، ولكل دمعة قهر نزفت من قلب أمها طوال اثني عشر عاماً.
