بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تنفجر تفاصيل الفواجع الإنسانية عبر السطور الجافة للمستندات الرسمية، ندرك أن خلف الكلمات بركاناً من الوجع والألم والأسى الذي تفوق مرارته طاقة البشر. ما أصعب أن يقرأ المجتمع تفاصيل تدمير جسد شابة شريفة لم يمهلها طيش القيادة حتى فرصة الوصول إلى سرير الرعاية لإنقاذها، لتوثق الأوراق الطبية حجم الارتطام المرعب الذي اغتال لقمة العيش وعجل بالرحيل المفجع في عمر الزهور.
وفي حلقة جديدة ومبكية تضاف إلى مسلسل مأساة الشابة “هدير بائعة الشاي” بحدائق الأهرام، أسدل التقرير الطبي الخاص بالمجني عليها الستار عن حجم البشاعة والإصابات القاتلة التي تعرضت لها نتيجة حادث الدهس المروع، والتي أودت بحياتها قبل أن تصل إليها يد الإغاثة الطبية أو يسعفها الأطباء.
وفقاً للتقرير الطبي الرسمي الصادر عن المستشفى، تبين أن هدير الغلبانة وصلت إلى قاعة الطوارئ جثة هامدة تماماً، وبمناظرة جسدها تبين انعدام وجود أي علامات حيوية للحياة؛ حيث كشف الفحص عن وجود جرح قطعي بجوار العين اليمنى بطول نحو 3 سنتيمترات، مصحوباً بجرح قطعي آخر أسفل الأنف يقارب طوله الـ 8 سنتيمترات.
ولم تكن الجروح الظاهرية سوى غلاف بسيط لما خفي داخل الجسد النحيل الذي سحقته قوة الاصطدام؛ إذ أشار التقرير الطبي إلى وجود اشتباه قوي بكسر في الذراع اليمنى، فضلاً عن اشتباه حدوث نزيف داخلي حاد ومزدوج في المخ والصدر والبطن والحوض، مما يعكس الوحشية البالغة للضربة التي تلقتها أثناء وقوفها خلف عربة أكل عيشها.
أما الفاجعة الكبرى التي هزت القلوب وأبكت المحيطين، فهي ما أثبته الفحص الطبي الدقيق من وجود بتر كامل بالساقين اليمنى واليسرى للمجني عليها، مع انعدام مطلق للتنفس والنبض، واتساع كامل في حدقتي العين وعدم استجابتهما للضوء، مما أكد حدوث الوفاة الفورية في موقع الحادث جراء هذا الطيش.
وقد جرى إيداع جثمان هدير داخل ثلاجة حفظ الموتى تحت تصرف جهات التحقيق، قبل أن يصدر قرار رسمي قانوني بالتصريح بدفنها عقب استكمال كافة الإجراءات، لتشييعها عائلتها وأهالي حدائق الأهرام بمشاعر تمتزج فيها الدموع بالدعوات للقصاص.
إن هذه التفاصيل الطبية الصادمة تسحق القلوب وتفرض غلظة القصاص فرضاً، لتكون صرخة التقرير الطبي دليلاً دامغاً بين يدي العدالة ضد المستهترين. ومع استعداد هدير لترقد بسلام في قبرها، يبقى السؤال الفلسفي والموجع الذي يتلوه جرحها النازف الآن:
هل ستكون السطور الدامية لهذا التقرير الطبي، والتي وثقت “بتر الساقين ونزيف المخ”، بمثابة المطرقة التي تكسر ثغرات الإفلات من العقاب وتجيب حق البنت الشقيانة، أم أن دماء الشرفاء ستظل مجرد تقارير تُحفظ في الأدراج؟
