حوار أحمد سالم
بصوت يجمع بين دفء الشجن التونسي ووعي التجربة المستقلة، تمكنت الفنانة التونسية بثينة نابولي من حجز مساحة خاصة جداً في قلوب الجمهور العربي، مع تحقيق أغنيتها «الناس تخاف من الحب» ملايين المشاهدات والتفاعلات، وإطلاق ألبومها المصغر (EP) «دولشة»، نغوص معها في هذا الحوار حول فلسفة التمرد الفني، وسر الخلطة الموسيقية التونسية، وتحول الأغنية إلى مرآة نفسية لجيل البحث عن الذات.
«الناس تخاف من الحب» حققت تفاعلاً كبيراً، هل ترين هذا الانتشار اعترافاً بنضج الأغنية البديلة، أم تخشين أن يبتلع «التريند» القيمة الفكرية للعمل؟
التفاعل دليل على أن المشاعر الصادقة تجد طريقها دائماً، الأغنية البديلة أثبتت أن الجمهور جائع لنصوص تشبهه وتعبّر عن مخاوفه. “التريند” بالنسبة لي وسيلة انتشار وليس معيار قيمة؛ يحمل الأغنية للحظة، لكن عمقها الإنساني هو ما يبقيها حية. طالما العمل نابع من مكان صادق، فلن يستطيع أي تريند تفريغه.

ألبومكِ الصغير يحمل اسم «دولشة»، كيف تعكس هذه التسمية رحلتكِ الموسيقية الحالية؟
”دولشة” لم تكن تجريباً سطحياً، بل “جولة خفيفة” بالمعنى التونسي: تمشي بهدوء وتتأمل التفاصيل. كانت جولة حرة في أعماق المشاعر والذات، أردت بها استكشاف مساحات جديدة دون قواعد صارمة، وهي تعكس مرحلتي الحالية في البحث عن البساطة الناضجة والحرية الفنية.
الموسيقى التونسية البديلة تجمع بين الآلات الشرقية كالكمان والقانون والـ Indie والـ Electronic، كيف تدمجون الموروث مع الحداثة دون فقدان الأصالة؟

التوازن يتحقق عندما نتعامل مع التراث ككائن حي وليس قطعة متحفية. الموسيقى التونسية ملتقى حضارات، ونحن لا نلصق الأنواع الحديثة للموضة، بل نستعملها كـ “مساحة تنفس” للنغم الأصيل، عندما تنطلق من فهم حقيقي للمقامات ثم تعبر عنها بأدوات عصرك، تخرج الموسيقى حديثة مع الحفاظ على أصالة جذورها.
تعتمد المدرسة التونسية على الأداء الحسي الدافئ الشبيه بالسرد. من أين يستمد الفنان التونسي هذا التعبير؟
من طبيعة الحياة اليومية في تونس ولغتنا وحكاياتنا، الأداء السردي هو انعكاس لثقافة البوح الدافئ؛ نحن لا نغني لنستعرض الصوت، بل نهمس بفكرة أو شعور، الفنان يتحدث للمستمع كأنه يجلس معه في نفس الغرفة، وهذا الاطمئنان هو ما يصنع الشجن المقرب للقلوب.

الغناء باللهجة التونسية كان يُنظر إليه كعائق للانتشار، واليوم يحفظه الجمهور العربي، ما الذي تغير؟
المنصات الرقمية كسرت الحواجز الجغرافية، والذائقة العربية أصبحت أكثر شغفاً بالتنوع والبحث عن “الروح” والنغمة الصادقة، المستمع في مصر أو الشام أصبح يتفاعل مع إحساس الكلمة وشجن النغمة قبل معناها اللغوي، فتسللت اللهجة التونسية لقلبه ببساطة.
أين يتقاطع مشروعكِ الفني مع تاريخ تونس الطويل من التمرد الموسيقي؟
التمرد الفني في تونس هو البحث المستمر عن الحرية، مشروعي يتقاطع مع هذا التاريخ في رفض القوالب الجاهزة وشروط السوق التجاري، نجتمع كفنانين مستقلين على الاستقلالية، وأن تكون الموسيقى تعبيراً حقيقياً عن الذات وعن الشارع بصدق.

ما هي الخطوة القادمة بعد «دولشة»؟
”دولشة” كانت بداية لمرحلة استكشافية. خطوتي القادمة ستشهد نضجاً أكبر وتوسعاً في التجريب، مع الحفاظ على الحميمية والصدق، الإنتاجات الكبيرة لا تتناقض مع الاستقلالية طالما أن القرار الفني بيدي، فالمساحة المستقلة هي بيتي ولن أتخلي عنها.
