إبراهيم حجاج: بين صرامة الضابط ورهافة الشاعر.. رحلة عمر في حب الوطن حوار خاص لـ"لمصور نيوز"
حوار محمد أكسم
هناك أشخاص لا تكفي الألقاب والمناصب وحدها لتقديمهم، لأن وراء كل لقب حكاية، ووراء كل مسيرة إنسانية تفاصيل تستحق أن تروى, واللواء إبراهيم حجاج واحد من هؤلاء الذين جمعوا في تجربتهم بين صرامة رجل الشرطة ورهافة الشاعر، وبين سنوات طويلة من المسؤولية والانضباط، وقلب ظل محتفظًا بقدرته على الحب والحنين والانحياز إلى الإنسان.
ففي مسيرة امتدت لنحو 29 عامًا في العمل الشرطي، لم تغب عنه عين الإنسان وهو يؤدي واجبه، ولم تمنعه طبيعة المهنة بما تحمله من حزم ومسؤولية من الاحتفاظ بمساحته الخاصة التي يلجأ إليها إلى الشعر والكتابة والتأمل. ومن هنا تبدو تجربته لافتة؛ فالرجل الذي عرف كيف ينظر إلى المواقف بعين الضابط الدقيقة، عرف أيضًا كيف ينظر إلى التفاصيل بعين الشاعر التي تبحث عن المعنى خلف الصورة.
بدأت علاقته بالكتابة مبكرًا، من القصة القصيرة في سنوات الدراسة الأولى، ثم امتد اهتمامه إلى الشعر الذي وجد فيه مساحة شخصية للتعبير عن مشاعره وأفكاره وما يراه في الحياة من تجارب إنسانية. ولم يكن الشعر بالنسبة إليه مشروعًا يبحث من خلاله عن الشهرة، وإنما مساحة صادقة يكتب فيها ما يشعر به وما يلامس وجدانه، مستمدًا بعض قصائده من الخيال، وبعضها من تجارب الآخرين، والحياة اليومية، والقضايا الاجتماعية والدينية، وفي القلب منها الحب والوطن والحنين.

ولعل أجمل ما في تجربة إبراهيم حجاج أن رجل الشرطة لم يلغِ الشاعر بداخله، كما أن الشاعر لم يضعف رجل الشرطة؛ بل بدا الاثنان وكأنهما وجهان لشخصية واحدة. فهو يرى أن الحزم لا يتناقض مع الإنسانية، وأن رجل الشرطة في النهاية إنسان يعيش بين الناس، يحمل مشاعرهم ويشعر بآلامهم وأفراحهم، وهو ما انعكس بوضوح في كتاباته.
وفي قصيدته “يمكن أموت” التي أهداها إلى شهداء الشرطة بمناسبة عيد الشرطة، يظهر هذا الجانب الوطني والإنساني بوضوح؛ إذ يكتب عن الشهيد وأسرته وأمه وابنه، ويجعل من التضحية معنى يتجاوز الكلمات، ليؤكد أن من يهب حياته من أجل وطنه لا يغيب تمامًا، وإنما يظل حاضرًا في ذاكرة من أحبوه وفي وجدان الوطن.
وإلى جانب الشعر، يحمل إبراهيم حجاج علاقة خاصة بالحنين؛ فالبحر والنيل، والبيت القديم، وأغاني أم كلثوم، وصور من رحلوا عن الحياة، كلها تفاصيل قادرة على استدعاء زمن كامل من الذاكرة. وربما لهذا يبدو شعره قريبًا من الإنسان؛ لأنه لا يتحدث عن مشاعر بعيدة أو مجردة، وإنما عن أشياء نعرفها جميعًا ونحتفظ بها في أماكن سرية داخل قلوبنا.
وفي هذا الحوار، نقترب أكثر من اللواء إبراهيم حجاج، لا بوصفه رجل شرطة سابقًا أو شاعرًا فقط، وإنما باعتباره إنسانًا يحمل ذاكرة طويلة من التجارب، ويؤمن بأن الحب جزء أساسي من الحياة، وأن القراءة والثقافة هما الطريق الحقيقي لبناء الشاعر والإنسان.
في البداية نرحب بالشاعر إبراهيم حجاج أهلا بكم في موقع جريدة المصور نيوز
القارئ يتساءل من هو الشاعر إبراهيم حجاج؟
أنا إبراهيم حسين حجاج، من مواليد بورسعيد عام 1967. نشأت هناك، ثم انتقلت إلى القاهرة بسبب التهجير، قبل أن نعود مرة أخرى إلى بورسعيد، وأكملت دراستي حتى التحقت بكلية الشرطة. وأعمل حاليًا بالمعاش، وأنا متزوج ولديَّ ثلاثة أبناء، وأقيم في القاهرة
.
متى اكتشفت للمرة الأولى أن بداخلك شاعرًا؟ وهل تتذكر أول قصيدة كتبتها؟
كانت البداية مع القصة القصيرة، عندما كنت في الصف السادس الابتدائي، حيث كتبت قصة نالت إعجاب مدرسة اللغة العربية، ومنذ ذلك الوقت واصلت كتابة القصص حتى المرحلة الثانوية، ونشرت قصة في جريدة “الجمهورية” بعنوان “عندما تغيب الحقيقة”، مع الكاتب فتحي أبو الفضل.
أما الشعر، فقد بدأ بشكل متوازي خلال المرحلة الثانوية، متأثرًا بسماعي لأغاني السيدة أم كلثوم, وكتبت قصة نثرية عام 1986، ثم انتهيت من كتابتها عام 1987، وكانت مكتوبة بالشعر، وكنت وقتها طالبًا في كلية الشرطة. وبعد ذلك كتبت قصة بعنوان “القديس”
.
هل كان الشعر بالنسبة لك منذ البداية مشروعًا، أم مساحة شخصية تكتب فيها ما لا تستطيع قوله في الحياة اليومية؟
كان الشعر بالنسبة لي مساحة شخصية، ولم يكن يومًا مشروعًا بالمعنى التقليدي. أكتب ما أحب أن أكتبه، وما يعبر عني، إلى جانب الأفكار المستوحاة من الخيال وتجارب الآخرين.

هل أثرت سنوات عملك ضابطًا للشرطة في رؤيتك للإنسان والمجتمع، وبالتالي في قصائدك؟
بالتأكيد. امتدت مدة خدمتي إلى 29 عامًا، وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه السنوات في رؤيتي للأشياء, فقد كنت أنظر إليها بعين أكثر دقة وقدرة على التمييز، بحكم عملي ضابطًا للشرطة، وكان علي أن أرى الأبعاد الكاملة للمواقف حتى أتمكن من اتخاذ القرار السليم.
وبالتأكيد تركت هذه التجربة أثرًا في أفكاري وتصرفاتي وهواياتي، وفي الطريقة التي أنظر بها إلى الإنسان والمجتمع
.
هل شعرت يومًا أن صرامة رجل الشرطة تتعارض مع رقة الشاعر، أم أن الاثنين يمكن أن يكملا بعضهما؟
أرى أن الاثنين يمكن أن يتكاملا، وهناك أمثلة عديدة على ذلك، ومن بينها الشاعر محمود سامي البارودي الذي كان ضابطًا إلى جانب كونه شاعرًا. فمهنة الضابط تتطلب قدرًا من الحزم والصرامة، لكنه في النهاية إنسان، ولا ينفصل عن المجتمع ومشاعره وتجاربه
هل تكتب القصيدة عندما تأتي الفكرة، أم تنتظر حتى تنضج التجربة داخلك؟
أكتب عندما تأتي الفكرة مباشرة؛ حتى لا تهرب مني، وأحاول أن أحتفظ بها وأمنحها مساحة للتعبير بمجرد أن تتشكل في داخلي
من الشعراء الذين تركوا أثرًا واضحًا في تجربتك؟ وهل هناك شاعر تتمنى لو التقيته؟
هناك شعراء كثيرون تركوا أثرًا في تجربتي، وفي مقدمتهم حافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وإبراهيم ناجي.
لكن الشاعر الأقرب إلى قلبي، والذي ترك أثرًا واضحًا في تجربتي، هو سيد حجاب؛ لأنه استطاع أن يدمج بين العامية والفصحى بسلاسة شديدة، وقدم تجربة شعرية مميزة ومتفردة.
أما الشاعر الذي أتمنى لو التقيته فهو نزار قباني؛ لما يمتلكه من تراكيب لغوية قوية، وقدرته الكبيرة على تطويع الشعر والتعبير من خلاله بطريقة مميزة. ورغم تحفظنا على بعض الألفاظ التي وردت في بعض قصائده، فإن نزار قباني يظل ظاهرة شعرية لم تتكرر
.

لو طلبنا من الشاعر إبراهيم حجاج أن يكتب قصيدة عن رجل الشرطة بعيدًا عن الصورة الرسمية، ماذا سيقول عنه؟
لقد كتبت بالفعل قصيدة عن الشرطة، وكتبتها عندما كنت برتبة عقيد، وكانت محاولة للتعبير عن رجل الشرطة بعيدًا عن الصورة الرسمية، والاقتراب من الجانب الإنساني داخله
وكانت:
تحية لأرواحكم الطاهرة وأسركم الصابرة وعاشت مصر وعشتم بقلبها وقلوبنا عقيد/إبراهيم حجاج – يمكن أموت قصيدة مهداه للشهداء بمناسبة عيد الشرطة – يمكن أموت لو يوم سمعت نشيد بلادي مهزنيش لو يوم لمحت أم الشهيد بتقول عينيها أنا مش هعيش ده أنا اللي أجيب حق ابنها وقصاد حياته ميكفنيش غير ابتسامة ف وش ابنه ابويا عايش متعزنيش —- الله عليكي الله يابلدي فداكي عمري ومن بعدي ولدي حالف لايمكن يوم يعدي غير وانتي رافعة الراس لفوق كل اللي فكر يوم وخانك إرهابه هدد يوم أمانك حقك هييجي ويعود زمانك وأيامنا فيكي تحلي وتروق —– فاكر يابلدي ولا يوم نسيت ومهما أشوف ميهمنيش أنا لسة حافظ عهدي ليكي جوايا نار متنطفيش وده مش جميل –حقك عليا والروح عشانك متساويش واموت شهيد لكن اكيد اكيد وانا ميت هعيش —– كلمات عقيد/إبراهيم حجاج
هل سبق أن كتبت قصيدة لشخص ولم تخبره أنها عنه؟
نعم، كتبت قصيدة بعنوان “بحبك في صمت”، وكانت عن شخص معين، لكنني لم أخبره بأنها كُتبت عنه
.
ما الذي يوقظ الحنين بداخلك: مكان قديم، أم أغنية، أم صورة، أم شخص غاب؟
المكان القديم يوقظ الحنين بداخلي، وكذلك الأغاني، وخاصة أغاني أم كلثوم. كما يثير الحنين في داخلي البيت القديم، والجلوس أمام البحر، وتناول القهوة، ومشاهدة صور الأشخاص الذين رحلوا عن عالمنا.
هذه التفاصيل البسيطة تحمل بالنسبة لي الكثير من الذكريات والمشاعر
هل الحب في رأيك يجعل الشاعر أكثر قدرة على الكتابة؟
بالتأكيد، فأنا لا أستطيع أن أعيش من دون حب. وأحيانًا أكتب من خلال تجارب ومواقف مر بها الآخرون، أو من خلال المشكلات اليومية والقضايا الاجتماعية والدينية، لكن الحب يظل واحدًا من أقوى الجوانب التي احتلت مساحة كبيرة من كتاباتي
هل هناك مكان تعود إليه في خيالك كلما اشتقت إلى زمن مضى؟ وماذا يمثل لك هذا المكان؟
هناك أماكن كثيرة شهدت ذكرياتي، لكن أكثر الأماكن التي أشعر تجاهها بالحنين هما النيل والبحر, أشعر أمامهما بالدفء والسكينة، وأجد فيهما مساحة لاستعادة الذكريات والتأمل
من وجهة نظرك، ما الشيء الذي لا يستطيع الإنسان أن يعترف به بسهولة، لكنه يستطيع أن يكتبه في قصيدة؟
أعتقد أن الكتابة نفسها يمكن أن تكون أفضل وسيلة للاعتراف في مثل هذه الحالات؛ فالإنسان قد يجد في القصيدة مساحة للتعبير عن مشاعر أو أفكار يصعب عليه أن يقولها بصورة مباشرة

حدثنا عن أعمالك، وما الديوان الأقرب إلى قلبك؟
لدي سبعة دواوين، وأعتقد أن ديوان “سر الجمال” هو الأقرب إلى قلبي؛ لأنني أهديته إلى أبي وأمي، ووضعت فيه عددًا من القصائد التي أحبها.
ولديَّ أيضًا ديوان بعنوان “لحظة صدق”، يتضمن أغنية أتمنى أن أعرضها على الفنان محمد منير.
وهناك ديوان بعنوان “أنا روحي فيها”، ويضم مجموعة من القصائد المميزة، بالإضافة إلى ديوان “الحب حصري”، الذي يتضمن عددًا من القصائد، من بينها قصائد وطنية
ما النصيحة التي تقدمها للشباب بشكل عام، ولكل شاعر مبتدئ بشكل خاص؟
أنصح الشباب بالابتعاد عن التدخين، والالتزام بالصلاة، والحرص على التواجد في أماكن العبادة، سواء كانت مساجد أو كنائس؛ لأن الإنسان في حاجة دائمة إلى الجانب الروحي والقيمي في حياته.
أما بالنسبة إلى الشعراء، فأهم نصيحة أوجهها إليهم هي القراءة والاطلاع على الثقافات المختلفة. وأتذكر أنني عندما كنت في المرحلة الثانوية قرأت في الأدب الفرنسي والإنجليزي والروسي، وكانت مكتبة والدي تضم العديد من الكتب التي ساعدتني على توسيع مداركي.
فالقراءة لا ينبغي أن تقتصر على الأدب والشعر فقط، وإنما يجب أن تمتد إلى شتى مناحي الحياة, لأن الشاعر في النهاية يستمد كثيرًا من تجربته من الإنسان والمجتمع والثقافة وما يحيط به من تفاصيل.

وفى النهاية نشكر الشاعر إبراهيم حجاج على هذا الحوار الأكثر من رائع متمنيين له مزيد من النجاحات
