حوارات صحفية

أبو ثائر الأحوازي : ​”عقارات التعقيم والدواء الفاسد.. حرب إيرانية صامتة ضد أرحام العرب”

 

حوار أحمد سالم 

 

​من ضفاف الكارون التي تشرب السمّ بدلاً من الحياة، ومن خلف قضبان الزنازين التي لا يزورها إلا الموت، يخرج صوت أبو ثائر الأحوازي ليفجر الحقيقة المسكوت عنها، في هذا الحوار الصادم، لا يتحدث عبدالله الطائي عن احتلال الأرض فحسب، بل يكشف عن “حرب الأرحام” وتجارة “الدواء الفاسد” التي تنهش في جسد الشعب الأحوازي تحت غطاء طبي مريب.

 

​بينما تغذي ثروات الأحواز المنهوبة ميليشيات الدم في المنطقة، يقف الشعب العربي هناك وحيداً، يواجه الإعدام والتجويع والتغيير الديمغرافي الممنهج، صرخة أبو ثائر اليوم ليست مجرد نداء استغاثة، بل هي مرآة تعكس خذلان “الأشقاء” وتقاعس “العالم”، في مواجهة واحدة من أبشع الجرائم الصامتة في العصر الحديث، هل وصلت القضية الأحوازية إلى طريق الاستقلال الذي لا رجعة فيه؟ وماذا بقي من “عربستان” في ظل آلة التفريس القهرية؟ إجابات تزلزل الصمت في السطور القادمة.

 

كيف يُعرّف الأحوازي نفسه في الوقت الحاضر، وماذا تعني له مفاهيم “عربستان” و”الأحواز” تاريخيًا وثقافيًا؟

 

اسمي عبدالله الطائي كنيتي الثورية النضالية المعروفة بين أبناء شعبي وكل اصدقائي الكرام وعلى القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية أبوثائر الأحوازي” ناشط سياسي تحرري من الاحواز العربية المحتلة، أعيش حاليًا في استراليا منذ 16 سنة، انشط بمجال الفعاليات السياسية والحقوقية ومحلل سياسي مختص بالشؤون الإيرانية، توضيح عن الأحواز بلدي المحتل من قبل العدو الإيراني، الأحواز كانت دولة عربية قوية ومستقلة على الضفة الآخرى من الخليج العربي وتمتد جغرافيتها من حدود الجنوب الشرقية للعراق وعلى طول كل السواحل الشرقية للخليج العربي حتى باب السلام الذي يسميه الفرس (مضيق هرمز) ويعزلها عن بلاد فارس (ايران) سلسلة جبال زاج رؤس الشاهقة، وسع جغرافية بلدي العربية المحتلة 384 الف كيلو متر مربع وهذا معناه اوسع من شقيقتها سوريا ولبنان وفلسطين معاً بلدي تمتلك ثالث احتياط نفط العالم والثاني بعد روسيا العظمى بالغاز الطبيعي والثالث بتصدير التمور من ملايين النخيل بعد شقيقتيها العراق والمملكة العربية السعودية، 8 انهار مياه عذبة عملاقة ومتشعبة على كل الخريطة بحيث وكانها تعكس وتمثل مسرح الجسد والشرائين بانتشارها على معظم أراضي الخصبة نزولاًً من جبالها الشمالية 65% من اراضيها خصبة وزراعية، عدد الانفس العربية 19 مليون نسمة وهم سكانها بعمق 6000 سنة تاريخ وحضارة سامية عربية قديمة بلا منازع، تم احتلالها واسقاط حكمها العربي بتاريخ 20 أبريل 1925 بواسطة بلاد فارس (إيران) وبمساعدة بريطانيا وفرنسا وامريكا، وقاد شعبنا العربي البطل 20 ثورة للخلاص من الإحتلال ولم ينجح بل قمع بوحشية عسكرية فارسية وآخر ثوراته ثورة عودة الكرامة سنة 2018 ولكن سبب فشل ثوراتنا عدم وجود داعم عربي أو دولي بسبب القرارات الامريكية البريطانية والفرنسية الداعمة لضرورة وجود جغرافيا ودولة فارسية مهيمنه لتستمر كدولة وظيفية لإركاع العرب للمطالب الغربية، وسر قوة إيران وجودها على أراضي إستراتيجية احوازية عربية مطلة على سواحل طويلة من الخليج العربي ومضيقها الفوق استراتيجي والثاني ثرواتها العظيمة التي تغذي التسليح والقوة العسكرية والاقتصادية الإيرانية وتدعم تأسيس منظمات ارهابية ومليشيات تتحكم بالدول العربية وتضعف لحمة العرب، إذن الأحواز العربية المحتلة لو نزعت من إيران وعادت آلة حضنها العربي، يصبح العالم العربي بإمان من الضغوط الإيرانية التي جعلت الإرهاب يحل محل السلم والإمان الإقليمي والدولي.

 

ما هي أبرز الصعوبات التي تواجهونها في الحفاظ على اللغة والثقافة العربية الأحوازية تحت سقف النظام الإيراني؟ وهل هناك محاولات ممنهجة لطمس الهوية؟

رغم أن الدستور الإيراني يتضمن مواد مثل المادة 15 و19 التي تنص نظريًا على حق القوميات والشعوب داخل جغرافيا تسمى زورًا بإيران في استخدام لغتها الأم والحفاظ على موروثها الثقافي فإن هذه المواد معطلة بالكامل على أرض الواقع ويجري استبدالها بسياسات تفريس ممنهجة وممولة تتسم بالطابع القهري والعدواني خاصة وبتركيز كامل في الأحواز العربية المحتلة، تُمنع اللغة العربية عمليًا في الدوائر الرسمية حيث يُجبر الموظف العربي على الرد بالفارسية حتى لو كان المراجع عربيًا لا يتقنها وفي حال الإصرار على العربية يُطلب إحضار مترجم تفاديًا للعقوبة (طرد من العمل) أما في المدارس فقد تعرض الطلاب الأحوازيون تاريخيًا ولا يزالون لعقوبات مالية وتهديدات أمنية لمجرد التحدث ولو بهمس مع زملائهم بلغتهم الأم (العربية) داخل الصف، على المستوى الثقافي تُحارب الموسيقى واللباس والعادات العربية بشكل مباشر حيث تُداهم الأعراس التي تُقام بالموسيقى العربية ويُعتقل الفنانون وأحيانًا أولياء الأمور وتُكسر الآلات الموسيقية في حين تُمنح الأعراس الخاصة بالمستوطنين الفرس حرية كاملة دون مساءلة وهو ما يعكس تمييزًا واضحًا ومقصودًا، كما وصلت هذه السياسات إلى حد الإعدام كما في حالة الشهيد البطل الشاب زامل الباوي الذي تم اعتقاله وتعطيل عرسه عوقب بسبب إحيائه زفافًا على ظهور الخيول باللباس، والعادات العربية ما اعتبره نظام الاحتلال عرساً عربياً رمزياً ومناهضا لسياسته وتم اطلاق سراحه ولكن وعدوه بدفع الثمن غالياً حتى عادوا عليه واعتقلوه ثانياً ونفذوا حكم الاعدام الجائر بحقه في رسالة ترهيب واضحة لكل من يتمسك بهويته، ما يجري ليس تجاوزات فردية بل سياسة رسمية تهدف إلى طمس الهوية العربية الأحوازية وتجفيف لغتها وثقافتها عبر القمع الأمني والتمييز القانوني والاجتماعي وهو واقع يومي يعيشه الشعب الأحوازي منذ عقود، اما هل وقف الشعب الأحوازي مكتوف الايدي لا وألف لا بل قابل كل هذه السياسات بتحدي كبير وتضحيات وبذل كلما بإمكانه لحفظ هويته وفرضها فرضاً على العدو وما تراه من قصيد شعراء وطنيين وأغاني وطنية أحوازية ولباس عربي وإحياء يوم العالمي للغة العربية بالأحواز لم تكن منحة إيرانية بل هو تحدي يعتبر مخالفة قانونية وحتى يعتبرها العدو تهديدًا امنياً للأمن القومي الإيراني وهذا معناه التعرض إلى إعتقالات ومحاكمات جائرة وحتى عقوبة الإعدام.

 

الأحواز غنية بالنفط والغاز، لكنها تعاني من الفقر، كيف تصفون التناقض بين ثروة المنطقة وواقع معيشة سكانها؟ وهل ترون أن سياسة التنمية الاقتصادية في المنطقة تقوم على التمييز؟

 

تمتلك الأحواز ثروات هائلة تجعلها من أغنى المناطق في المنطقة والعالم فهي تضم ثالث أكبر احتياطي نفطي عالميًا وتأتي في المرتبة الثانية بعد روسيا في احتياطي الغاز الطبيعي إضافة إلى كونها من أكبر مناطق إنتاج وتصدير التمور وامتلاكها ملايين أشجار النخيل فضلًا عن المساحات الزراعية الواسعة لزراعة قصب السكر والقمح والرز الفاخر والحمضيات وغيرها، ورغم هذه الثروات يعيش الشعب العربي الأحوازي تحت خط الفقر بل في حالات كثيرة تحت ما يمكن وصفه بالفقر المدقع في مشهد صادم لا يمكن تفسيره إلا كسياسة متعمدة لا كخلل إداري، والدليل على ذلك أن رغم مطالبة الشعب بحقها الاساسي وهو تحرير الوطن من الإحتلال الفارسي ولكن يوجد بعض السياسيين الأحوازيين الذين يؤمنون بنزع أبسط الحقوق لصالح الشعب العربي اختاروا العمل من داخل النظام الإيراني وشاركوا في مجلس الشورى تقدموا بمطالب متواضعة للغاية لا ترقى حتى إلى الحد الأدنى من حقوق الشعوب المنتجة للثروة حيث طالبوا فقط بتخصيص واحد بالمئة (1%) من عائدات النفط لمعالجة الفقر والحرمان في الأحواز لكن هذا الطلب قوبل بالرفض القاطع من قبل الدولة الإيرانية، هذا الرفض يؤكد أن الفقر في الأحواز ليس نتيجة ضعف تنمية أو سوء تخطيط بل سياسة ممنهجة ومقصودة تهدف إلى إبقاء الشعب الأحوازي دون غيره في حالة عوز دائمة رغم أنه يعيش فوق واحدة من أغنى بقاع الأرض.

 

تُعاني الأحواز من تدهور بيئي خطير (جفاف، تملح الأنهار، عواصف ترابية) وما هو دور السياسات المائية الإيرانية في تفاقم هذه الكوارث البيئية؟

 

تلعب السياسات المائية الإيرانية دورًا مركزيًا ومباشرًا في تفاقم الكوارث البيئية التي تعاني منها الأحواز اليوم فسياسة قطع المياه وتجفيف الأحواز كانت خيارًا سياسيًا مقصودًا لا نتيجة ظروف طبيعية، الأحواز كانت ولا تزال تمتلك أكبر الأحواض المائية في المنطقة وتضم أهوارًا مشتركة مع العراق مصنفة كمحمية عالمية لدى اليونسكو إلا أن تجفيفها بدأ تدريجيًا في عهد النظام الشاهنشاهي لكنه تسارع بشكل خطير بعد وصول نظام الخميني إلى السلطة، قامت الدولة الإيرانية بتحويل مجاري الأنهار الأحوازية العملاقة التي كانت صالحة للملاحة ونقلت المياه عبر مشاريع ضخمة وبتكلفة هائلة إلى وسط إيران ومدن فارسية كبرى مثل أصفهان وقم ويزد لهذا الغرض تم إنشاء ستة وثلاثين سدًا كبيرًا شمال الأحواز وقد أُطلق على عدد منها رسميًا اسم عرب كُش أي قاتلة العرب وهو توصيف يعكس طبيعة هذه السياسة العدائية، نتيجة ذلك فقد الشعب الأحوازي مواشيه ومزارعه ونفق أكثر من خمسة ملايين شجرة نخيل كما تلوثت الأنهار الرئيسية مثل كارون والكرخة والجراحي وزهرة بسبب تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة ومخلفات المستشفيات والنفايات الصناعية الكيميائية، تحولت المياه العذبة التي شكّلت أساس الحياة في الأحواز إلى مصدر خطر صحي مباشر وانتشرت الأوبئة والأمراض المزمنة وارتفعت الوفيات خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن في ظل تعتيم رسمي ممنهج تتبعه دولة الاحتلال على حجم الكارثة الإنسانية والبيئية، لربما يتبادر إلى ذهنكم سؤال مشروع وهو هل وثّق الأحوازيون ما يجري بحقهم

والإجابة نعم لقد قام الأحوازيون بتوثيق هذه الجرائم بشكل واسع وممنهج وقدموا عشرات الآلاف من الصور ومقاطع الفيديو والوثائق المسربة التي تثبت تعمّد النظام الإيراني في سياساته القمعية والبيئية والاقتصادية، وقد نُقلت هذه الوثائق إلى جهات عربية وإلى منظمات دولية وحقوقية كما ظهر ناشطون وإعلاميون أحوازيون مرارًا على شاشات القنوات الفضائية العربية والدولية لشرح حجم الظلم والانتهاكات التي يتعرض لها شعبنا، لكن الواقع المؤلم يؤكد أننا لا نُظلم فقط بسبب سياسات الاحتلال الإيراني بل نتعرض أيضًا لظلم مضاعف نتيجة تجاهل أشقائنا العرب لما يجري في الأحواز إضافة إلى تقاعس المجتمع الدولي الذي يفضل تغليب مصالحه السياسية والاقتصادية المشتركة مع إيران على حساب حقوق شعب يُعاقَب فقط لأنه يتمسك بأرضه وهويته وحقه المشروع في الحياة والكرامة.

يصف الكثيرون السياسة الإيرانية تجاه الأحواز بأنها سياسة “احتلال وتهميش”. إذا طلبنا منك أن تضع هذه السياسة في ميزان المقارنة مع ممارسات دول أخرى تجاه الأقليات أو الشعوب التي تسيطر عليها، فما هي أوجه الشبه والاختلاف الرئيسية التي تراها بين سياسة إيران مع الأحواز، وسياسة إسرائيل مع فلسطين، وسياسة الصين مع الأويغور، وسياسة روسيا مع الشيشان، وطريقة تعامل دول المنطقة مع أزمة أقلية الروهينغا؟

 

بإختصار شديد أقول إن السياسة الإيرانية تجاه الأحواز تمثل حالة فريدة من حيث القسوة والشمول، إذا يبدو أن النظام الإيراني قد درس تاريخيًا كل نماذج الاحتلال وطمس الهويات التي مارست ضد الشعوب قديمًا وحديثًا ثم قام بتطبيقها مجتمعة على شعب أعزل هو الشعب العربي الأحوازي، فما يتعرض له الأحوازيون هو مزيج كامل من سياسات القمع والاقتلاع والتغيير الديمغرافي والتجفيف الاقتصادي والطمس الثقافي والإعدامات والتجويع المتعمد دون أي غطاء قانوني أو اعتراف دولي بوجود القضية من الأساس، ولا تكاد توجد حالة مشابهة بالكامل لما يجري في الأحواز لأن معظم القضايا التي ذكرتموها رغم مآسيها تمتلك حدًا أدنى من الاعتراف والدعم الدولي، فالقضية الفلسطينية مثلًا ورغم كل ما تعانيه تحظى باعتراف دولي واسع وتدعمها شعوب ودول عربية ذات ثقل إقليمي ودولي، وقضية الروهينغا ورغم تعقيدها تجد دعمًا دوليًا وبرلمانًا في المنفى وضغوطًا مستمرة على الحكومة المعنية، وكذلك الأويغور والشيشان لكل منها حضور دولي وداعمون وملفات مفتوحة في المؤسسات الأممية، أما الأحواز فتعاني من احتلال شامل وإنكار كامل للهوية والوجود مع غياب شبه تام لأي مظلة سياسية أو تمثيل دولي رسمي، ومع ذلك نحن لا نقول إننا يائسون فبعد الله سبحانه وتعالى يبقى رهاننا الأكبر على وعي وصمود شعبنا وعلى يقظة الضمائر الحية في العالم وعلى أشقائنا في الأمة العربية والإسلامية، ونأمل أن يأتي اليوم الذي يُكسر فيه هذا الصمت الظالم ويُفتح المجال أمام الأحوازيين لتمثيل قضيتهم ولو بمقعد في الجامعة العربية تمهيدًا لتدويل قضيتهم العادلة بوصفها قضية شعب عربي محتل يستحق الحرية والكرامة.

 

ما هي المطالب الرئيسية التي يرفعها الشعب الأحوازي الآن على الصعيد السياسي والدولي؟ وما هو المسار الذي يراه مناسبًا لتحقيق هذه المطالب؟

 

إن المطالب الرئيسية للشعب الأحوازي اليوم، على الصعيدين السياسي والدولي، تتمثل في حقه الطبيعي والتاريخي في استعادة سيادته الوطنية الكاملة واستقلاله على أرض أجداده، لأن هذا الحق وحده هو الكفيل بضمان حريته وكرامته الإنسانية وحقه في العيش الكريم، ونحن كسياسيين وناشطين ومناضلين أحوازيين نعبّر بأمانة عن تطلعات شعبنا الأساسية ولا نقبل بأقل من هذا الحق المشروع مهما تعقدت الظروف أو تنوعت الضغوط، وفي المقابل، توجد داخل الأحواز المحتلة فئات من النشطاء الذين، بحكم القمع الدموي الواقع عليهم، يحاولون تخفيف ردود الفعل الإجرامية للنظام الإيراني عبر طرح مطالب أقل سقفًا، رغم أن همّهم الحقيقي هو همّ الشعب ذاته، إلا أن هذه المقاربات لم تحمهم من القتل أو الاغتيال أو السجون أو التعذيب الوحشي، شأنهم شأن كل من يطالب بحقوق سياسية أعلى أو يعارض الاحتلال بشكل صريح، كما توجد أقلية من الأحوازيين في الخارج ترى أن تبني مسارات مختصرة أو مرحلية، تتماشى مع الإرادة الدولية، كالمطالبة بصيغ لا مركزية أو فدرالية تمهيدًا لحق تقرير المصير، قد يكون طريقًا أقل كلفة في هذه المرحلة غير أن الغالبية السياسية الأحوازية، وكذلك عامة الشعب في الداخل ترى أن مطلب التحرير الكامل هو الحق الأساسي غير القابل للتنازل، وأن الانتماء الطبيعي للأحواز هو محيطها العربي، ولا بديل عن ذلك، أما المسار الذي نراه مناسبًا لتحقيق هذه المطالب فيكمن في توحيد الصف الأحوازي سياسيًا، وبناء خطاب وطني جامع، وتدويل القضية الأحوازية باعتبارها قضية شعب عربي محتل، والعمل المنظم مع القوى الإقليمية والدولية الحية، إلى جانب الصمود الشعبي في الداخل، حتى ينتزع الشعب الأحوازي حقه المشروع في الحرية والاستقلال.

 

ما هي أصعب الظروف اليومية التي يواجهها المعتقلون في سجن شيبان، وكيف تؤثر البيئة المكانية على سلامتهم النفسية والجسدية وكيف يصف الأسرى المحررون تجربة ‘العزل’ أو ‘التحقيق’ داخل هذا السجن، وما هي أكثر الذكريات قسوة التي تلازمهم بعد الخروج وما هي أبرز الانتهاكات الحقوقية التي توثقها المنظمات الدولية بخصوص الإهمال الطبي داخل هذا المعتقل؟

 

سجن شيبان سيّئ الصيت، لكن من المهم التوضيح أن هذا السجن ليس سوى واحد من عشرات السجون والمعتقلات، المعلنة والسرية، التابعة لأجهزة المخابرات والأمن الإيراني في الأحواز العربية المحتلة وللتدليل فقط، أذكر لحضراتكم عدد السجون الموجودة في مدينة واحدة فقط، وهي مدينة الأحواز، عاصمة دولة الأحواز العربية المحتلة، سجن كارون الذي تم نقله وتعطيله عام 2017، وسجن قدس في منطقة تُسمّى سبيدار، وسجن شيبان، إضافة إلى معتقل سري كبير جدًا تابع للمخابرات داخل معسكر الحرس الثوري الثامن (غُلْف)، ومعتقل “أربع أسود” المرعب التابع لاستخبارات النظام الإيراني (إطلاعات)، ومعتقل “الأمانية” التابع للأمن الإيراني وفوق ذلك، هناك عدد كبير من النشطاء الأحوازيين الذين، عند الإفراج عنهم، يصفون سجونًا ومعتقلات لا يُعرف مكانها إلا الله، وأنا أتحدث هنا من تجربة شخصية مباشرة، بصفتي أسيرًا معتقلًا وسجينًا سياسيًا سابقًا، مررتُ بمعظم هذه السجون، باستثناء سجن شيبان، وقد تم اعتقالي في أعوام 1985، و1989، و1996، و2006، وخلال هذه الفترات، مورست بحقي، كما بحق كثيرين غيري، شتى أنواع التعذيب، من الصعق الكهربائي، وقلع الأظافر، والضرب والجلد العنيف بالكيبلات، والتعليق لساعات طويلة، إضافة إلى الضغوط النفسية الممنهجة، وافتعال الأمراض دون السماح للمعتقل بمراجعة طبيب أو الحصول على أدوية، فضلًا عن التجويع المتعمد، كما أمضيتُ، مثل كثير من الأسرى الأحوازيين، فترات طويلة في الحبس الانفرادي، وصلت إلى سنتين وخمسة عشر يومًا، كنتُ خلالها أتمنى فقط رؤية إنسان أو التحدث مع بشر ولو لساعة واحدة، أما عن التحقيق، فالسيناريو واحد دائمًا التهم جاهزة ومسبقة، ولا يُطلب من الأسير سوى التوقيع والموافقة عليها، وغالبية التعذيب تُمارس بسبب رفض الأسير الأحوازي لهذه التهم، لأنه يعلم أن قبولها يعني الإعدام، ومع ذلك لم يشفع الرفض لكثيرين، فقد تم إعدام عدد كبير من الأحوازيين رغم رفضهم التوقيع على الاتهامات المفبركة، أما القضاة، فمعظمهم رجال دين معمّمون، لا يحكمون حتى وفق القوانين الإيرانية نفسها، بل يستندون إلى ما يمكن وصفه بشريعة طائفية صفوية، ونزعة قومية فارسية عنصرية معادية لكل ما هو عربي، وفي كثير من الأحيان، تتأثر الأحكام بالأحداث الإقليمية وبالفتن الطائفية التي يقودها النظام الإيراني في المنطقة، حيث تُلصق بالناشطين الأحوازيين تهم التجسس لصالح دول معادية لإيران، رغم عدم وجود أي صلة، لا من قريب ولا من بعيد، بين النشاط الأحوازي وما يجري على الساحتين الإقليمية أو الدولية، أما الضغوط الواقعة على عائلات المعتقلين، فهي هائلة وممنهجة؛ إذ يُمنع الأهالي أحيانًا من معرفة مصير أبنائهم أو زيارتهم لفترات طويلة، كما لا تُتاح عمليًا إمكانية توكيل محامين، رغم الادعاء الرسمي بأن هذه الحقوق مكفولة، وحتى في حال فرض محامٍ تسخيري، لا يُسمح له إلا بحضور جلسة المحاكمة شكليًا، دون أي دور حقيقي في الدفاع، حيث تُدار الجلسة بين القاضي، والمدعي العام، والوكيل فقط.

 

ما هي الرسالة التي توجهونها من خلال هذا الحوار إلى الرأي العام العربي والدولي حول القضية الأحوازية ؟ 

في ختام هذا الحوار، أود أن أُلفت انتباه الرأي العام العربي والدولي إلى نوع بالغ الخطورة من الحروب التي يديرها المحتل الإيراني ضد شعبنا الأحوازي العربي الأعزل والمظلوم فهناك، إلى جانب القتل والإعدامات والاغتيالات والاختطافات العلنية والسرية، والوفيات المشبوهة والمتكررة في صفوف النشطاء السياسيين والمدنيين، حرب أخرى لا تقل فتكًا ولا إجرامًا، لكنها أقل ظهورًا وأشد خبثًا، إنها حرب التلوث البيئي المنهجي، وحرب الدواء الفاسد داخل المستشفيات، وحرب العبث بصحة الإنسان الأحوازي بصورة ممنهجة، فقد حوّل النظام الإيراني المستشفيات في الأحواز إلى ساحات تجارب، حيث يتم توظيف طلاب جامعات الطب من مختلف أنحاء إيران في مستشفيات الأحواز للتعامل مع المرضى، وخاصة في العمليات الجراحية الدقيقة والخطيرة، وكأن الشعب الأحوازي أصبح مختبرًا مفتوحًا للتجارب الطبية والكيميائية والبيولوجية، كما يتم إعطاء الأطفال عقاقير تعقيم خطيرة، وتُجرى عمليات استئصال أرحام لنساء عربيات دون علمهن أو موافقتهن، ولا يُكتشف ذلك إلا لاحقًا عند مراجعات طبية بسبب العقم، والأمر ذاته يُمارَس بحق الرجال من خلال عمليات تهدف إلى تعقيمهم بطرق ملتوية وفوق كل ذلك، تُغرق الأحواز بالمخدرات بشكل متعمد، لتدمير المجتمع من الداخل، وضرب شبابه ومستقبله، ومن يقف أمام المستشفيات الأحوازية، ويرى بعينيه تسليم جثامين الضحايا لعائلاتهم، يدرك حجم المأساة؛ فقد اعتاد الناس قسرًا على مشاهد الموت اليومية، حتى باتت وكأنها أمر “طبيعي”، بينما هي في حقيقتها جرائم صامتة مكتملة الأركان، نحن نؤكد هنا أن الجرائم بحق شعبنا لا يشترط أن تكون عبر الصواريخ أو البراميل المتفجرة حتى يلتفت العالم إليها، فهذه الجرائم الصامتة تستدعي اهتمامًا إنسانيًا عاجلًا، وتحقيقًا دوليًا جادًا، وإصرارًا أخلاقيًا على الوقوف إلى جانب شعب يتعرض لعملية تطهير عرقي وتغيير ديمغرافي ممنهجة، ومن هذا المنبر، أتوجه بنداء صادق إلى الدول العربية الشقيقة، من دول المغرب العربي، إلى مصر العزيزة، إلى سوريا والأردن، إلى المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عُمان، وإلى كل العرب، كما أتوجه إلى المؤسسات والمنظمات الدولية والحقوقية : أن تنظر إلى ما يجري في الأحواز بجدية ومسؤولية إنسانية، وأن تتحرك دون تأخير لإنقاذ شعبنا المظلوم من هذه الدوامة القاتلة، قبل فوات الأوان.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى