
في الماضي، كانت أخبار الحروب تصلنا عبر شاشات التلفاز الرسمية أو عناوين الصحف الصباحية، حيث كانت المعلومة تمر عبر فلاتر الرقابة ومكاتب رؤساء التحرير.
أما اليوم، وفي ظل الصراعات المحتدمة التي يشهدها الشرق الأوسط، فقد انتقل ثقل نقل أخبار المعارك من الميادين العسكرية إلى الهواتف الذكية مباشرة؛ حيث تحولت وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى غرف عمليات شعبية، و لم تعد تنقل الحدث فحسب، بل أصبحت تصنعه وتُعيد توجيه مساراته.
وعليه، يمكننا رصد أبرز مظاهر هذا العهد الجديد من النقل الإعلامي في ظل المنصات الرقمية فيما يلي:
1. ميلاد المواطن الصحفي :
فلأول مرة في التاريخ الحديث يُكسر احتكار الرواية؛ إذ بات بإمكان الضحية والمنكوب والنازح بث معاناتهم مباشرة إلى العالم دون وسيط. لعبت المنصات دوراً محورياً في كسر احتكار الرواية الذي مارسته وسائل الإعلام التقليدية الكبرى لسنوات، بل لعقود.
فأصبح “المواطن الصحفي” هو المصدر الأول للخبر، مما وضع مصداقية المؤسسات الإعلامية الضخمة على المحك، وجعل العالم يرى تفاصيل الحرب بلونها القاسي والفج، بعيداً عن تجميل السياسيين وبياناتهم الرسمية.
2. منصات التواصل التي تحولت لمساحات للتضامن العابر للحدود:
تلك المنصات التي أُعدت للترفيه بالدرجة الأولى، تحولت في السنوات الخمس عشرة الأخيرة إلى أداة تعبير كاشفة في يد المواطن العربي، الذي طالما افتقد الوسائل التي توصل صوته وتعبر عن قناعاته الفعلية. ثم جاءت الأحداث الجارية لتثبت أن الجغرافيا لم تعد عائقاً أمام التفاعل؛ إذ تحول “الوسم” (الهاشتاج) إلى مظاهرات رقمية مليونية، يتفاعل فيها المواطن في أقصى المغرب مع نظيره في أقصى المشرق حول حدث واحد لحظة وقوعه. ولم يقف هذا التفاعل عند حدود “الإعجاب” والمشاركة، بل نتجت عنه حملات تبرع ضخمة وحملات مقاطعة اقتصادية أثبتت فاعليتها، وفي بعض الدول ساهمت هذه التحركات في صناعة ضغط شعبي دفع الحكومات إلى تعديل مواقفها الدبلوماسية.
3. الخوارزميات تلك الحرب التي تُدار من الظل:
رغم القوة التي منحتها هذه الوسائل للشعوب، إلا أنها كشفت عن وجه آخر للصراع وهو “الرقابة الرقمية”. واجه المستخدم العربي تحديات هائلة في إيصال صوته بسبب خوارزميات المنصات التي مارست الانحياز والتقييد للمحتوى المتعلق بالقضايا العربية تحديداً.
هذا الأمر ولّد وعياً جديداً لدى الشباب العربي، فبدأ بابتكار طرق للالتفاف على الرقابة (مثل الكتابة بدون نقاط أو استخدام الرموز)، مما جعل الفضاء الرقمي ساحة حرب أخرى في مجال افتراضي تكنولوجي.
4. الأثر النفسي والاجتماعي :
بعد فتح بوابات الوعي هذه، ونقل الصورة بكل تفاصيلها و من كل زواياها ، وإتاحة سرد الرواية من أفواه أصحابها، كان لابد من ضريبة نفسية لكل هذا التدفق المعلوماتي الهائل. فالمواطن العربي اليوم يعيش حالة “استنفار شعوري” دائم؛ صور الدمار والقصص الإنسانية المؤلمة التي تقتحم البيوت عبر الشاشات ولدت صدمة مستمرة، أدت بدورها إلى تفاعل إنساني جعل الفرد يتأرجح بين الشعور بالعجز وبين الرغبة العارمة في التغيير. هذا التأثر العميق أعاد صياغة الهوية لدى الأجيال العربية الجديدة، التي باتت قضايا المنطقة تشكل جزءاً أصيلاً من وعيها اليومي.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد مشاهدة لحرب عبر بث مباشر، بل هو مشاركة فعلية في كتابة التاريخ. والوعي العربي اليوم في اختبار حقيقي؛ فإما أن تتحول هذه الهواتف إلى أدوات لتمزيق النسيج الاجتماعي عبر ترديد الإشاعات وتبادل الاتهامات والتخوين، أو تُستخدم لتكون جسوراً لترميم الهوية وإيصال صوت المظلومين.
أخيراً، سيبقى الصدق الإنساني دوماً أقوى من أي برمجية تحاول خنقه، ويبقى الأمل في صناعة وعي مستدام يستند إلى هوية ربما طمستها سنوات غابرة، وكانت تنتظر هذا “الزلزال” لتستفيق وتنفض عنها الغبار. إن استفاقة الوعي هي السلاح الوحيد لضمان ألا تذهب هذه المحاولات الرقمية سدى.




