
ثمة عقول لم تختر أن تكون غريبة، و لدت و في تكوينها بصمة لا تشبه السائد ، فهي لا تسبح ضد التيار رغبةً في التحدي ، بل لأن هذا هو مجراها الطبيعي الذي قُدّر لها . يمكن أن نطلق على هؤلاء ” أصحاب الغربة الفطرية ” الذين يبذلون جهداً مضاعفاً لا ليمتازوا ، بل ليتناغموا، محاولين تطويع اختلافهم العميق ليناسب إيقاع عالم يراهم بعيدين بينما هم يحاولون بكل صدق أن يكونوا جزءاً منه ، لا يكسرون القوالب ، بل ببساطة .. لا يتسع لهم أي .. و هذا تحديداً ما سأتحدث عنه .
في الصفوف الدراسية حول العالم ، يجلس طفل يتأمل الصفحات بذكاء حاد ، لكن الكلمات أمامه تبدو و كأنها تتراقص أو تتداخل . هذا الطفل ليس كسولاً و لا أقل ذكاء ، هو فقط واحد من ملايين الأشخاص الذين يمتلكون عقولاً مصممة بطريقة مختلفة . أتحدث هنا عن “الديسلكسيا “، أو ما يعرف بـ “عسر القراءة”.
فما هي الديسلكسيا في المنظور الأكاديمي ؟..
من الناحية العلمية ، الديسلكسيا هي اضطراب عصبي ذو أصل وراثي يؤثر بشكل أساسي على قدرة الدماغ على معالجة اللغة ، هذا الاضطراب لا علاقة له بمستوى الذكاء العام ، بل إن الكثير من العباقرة والمبدعين (مثل ألبرت أينشتاين ) عانوا منه.
تتمثل المشكلة الأساسية في القدرة على ربط شكل الحرف المكتوب بصوته المسموع . هذا الاختلاف في ” توصيلات ” الدماغ يجعل فك الرموز اللغوية عملية تستهلك طاقة ذهنية مضاعفة مقارنة بالشخص الطبيعي .
و عليه و لتزداد الصورة اتضاحاً ، سننتقل للتحديات ، و التي هي أكثر من مجرد تعثر في القراءة ..
حيث لا يتوقف تأثير الديسلكسيا عند حدود الكتاب ، بل يمتد ليشمل جوانب تعلُمية و حياتية أخرى :
تحدي الكتابة و التهجئة : حيث يجد المصاب صعوبة في ترتيب الحروف أو اختيار الكلمة الصحيحة رغم معرفته بالمعنى .
الذاكرة قصيرة المدى : فقد يجد الشخص صعوبة في تذكر سلسلة من التعليمات الشفهية المتتالية .
الجانب النفسي : و هو الأخطر ، حيث يؤدي الشعور بالفشل المستمر في البيئات التعليمية التقليدية إلى انخفاض الثقة بالنفس و من ثم الظهور الواضح لأعراض المعاناة من القلق .
مسببات ” الديسلكسيا ” و لماذا يحدث هذا ؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الديسلكسيا ليست خياراً أو نتيجة لبيئة سيئة ، بل تعود لعوامل محددة و لا يستلزم الأمر اجتماعها جميعاً :
الجينات : إذ تلعب الوراثة دوراً كبيراً ، فغالباً ما نجد تاريخاً عائلياً لنفس الصعوبات .
بنية الدماغ : حيث أظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي أن المصابين بالديسلكسيا يستخدمون مناطق مختلفة في الدماغ أثناء القراءة مقارنة بغيرهم.
خارطة الطريق .. كيف نتكيف؟
إن تشخيص الديسلكسيا ليس “حكماً بالفشل” ، بل هو بداية لفهم كيفية عمل العقل بشكل صحيح .
و الذي سيتطلب تضافر عدة جهود للوصول إلى صورة تكيف مُرضية :
فأولاً : المدرسة :
يجب على النظم التعليمية التحول من “القالب الواحد” إلى “المرونة التعليمية” ، عبر توفير وقت إضافي في الاختبارات ، و استخدام الكتب الصوتية ، و الاعتماد على التقييم الشفهي بدلاً من الكتابي فقط .
و ثانياً : التكنولوجيا كجسر للعبور:
نحن نعيش في عصر ذهبي للمصابين بالديسلكسيا؛ فبرامج تحويل الكلام إلى نص ، و التطبيقات التي تصحح الإملاء ذكياً قللت الفجوة بين قدراتهم الإبداعية و إنتاجهم المكتوب.
و أخيراً الدعم النفسي :
فأهم استراتيجية هي التركيز على نقاط القوة . حيث أن المصابين بالديسلكسيا غالباً ما يتميزون بالتفكير الشمولي ، الإبداع الفني ، و القدرة على حل المشكلات المعقدة بطرق غير تقليدية.
و رسالة لكل أب و أم و معلم : الطفل الذي يعاني من الديسلكسيا لا يحتاج إلى مزيد من الضغط للقراءة بشكل أسرع، بل يحتاج إلى طريق مختلف للوصول إلى نفس المعلومة .
أخيراً ..
الديسلكسيا هي مجرد اختلاف في معالجة البيانات . إذا استطعنا توفير البيئة الداعمة و الأدوات المناسبة ، سنكتشف أن هؤلاء الأفراد لا يتعلمون فقط ، بل أنهم قادرون على أن يبدعوا و يقودوا العالم برؤيتهم المختلفة و الفريدة



