مقالات
أخر الأخبار

دكتور / محمد إبراهيم الخبير الاقتصادي يكتب :  تعديل قانون النيابة الإدارية ضمانه دستوريه للموظف العام ( ورقة بحثية)

             

 

اعداد المستشارة الدكتورة / شيماء نجم

الوكيل العام الأول بالنيابة الإدارية

عضو هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا ندبا

 

 تعد النيابة الإدارية هى هيئة قضائية مستقلة منحها الدستور المصرى الصادر عام 2014 الولاية العامة في تأديب العاملين بالدولة، حين ناط بها فى المادة (197) منه التحقيق فى المخالفات الإدارية والمالية التي ترد إليها مباشرة أو تلك التى تحال إليها، ومنحها السلطات المقررة لجهة الإدارة فى توقيع الجزاءات التأديبية بالنسبة لهذه المخالفات، كما أسند إليها سلطة تحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة، بوصفها الأمينة على الدعوى التأديبية، والنائبة عن المجتمع في تعقب الجرائم التأديبية التي تقع من الفئات الخاضعة لولايتها، مستهدفة حماية المال العام، وضمان حسن سير المرافق العامة باطراد وانتظام، واكتشاف أوجه الخلل والقصور في أداء الخدمات العامة والنظم والاجراءات المالية والإدارية.

 كما تباشر النيابة الإدارية اختصاصاتها على محاور أربعة، هي:

المحور الأول: حماية المال العام.

المحور الثانى: حماية الوظيفة العامة.

المحور الثالث: ضمان حسن سير المرافق العامة باطراد وانتظام.

المحور الرابع: علاج الخلل والقصور في أداء الجهاز الإداري بالدولة.

   “وحيث إن الدساتير المصريـــــة المتعاقبة قـــــد عنيت بتنظيم الوظيفة العامـــــة، إذ حرص دستور 1923، ومن بعده دستور 1930 على أن يعهد للمصريين وحدهم بالوظائف العامة، مدنية كانت أو عسكرية، ولا يولى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون، وأجمعت الدساتير الصادرة سنوات 1956 و1958 و1964، على أن الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، ويستهدف موظفو الدولة في أداء أعمال وظائفهم خدمة الشعب، واعتبر دستور 1971 الوظائف العامة حقًّا للمواطنين، وتكليفًا للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب، واتخذ دستور سنة 2014 – القائم – من الكفاءة، وعدم المحاباة أو الوساطة أساسًا لحق المواطنين في شغل الوظائف العامة، مع اعتبار شغلهم لها تكليفًا لخدمة الشعب، واعتد بكفالة الدولة حقوقهم وحمايتهم، فلا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبي، إلا في الأحوال التي يحددها القانون، مقابل التزامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب – مبينًا فيما تقدم – الضوابط المتعينة في تنظيم الوظيفة العامة، بداية من طبيعة شغلها بين الحق والتكليف، مرورًا بشروط ذلك الشغل ونواهيه، انتهاء بحقوق الشاغلين لها والتزاماتهم، على نحو يضحى معه التزام التنظيم القانوني للوظيفة العامة تلك الضوابط مناطًا لدستوريته، فيما تكون مخالفتها موطئًا لوقوع تنظيمها في حومة العوار الدستوري” .

(حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 100 لسنة 43 قضائية “دستورية”، جلسة 4/11/2023).

   وسنلقى الضوء في هذه الورقة البحثية الموجزة حول التطور التاريخى للنيابة الإدارية،- دستورياً وتشريعيا-، واختصاصاتها، وطرق اتصال الدعاوى بها، وأوجه تصرفها في التحقيقات، وصولاً للعقبات التي تحول بين النيابة الإدارية و مباشرة اختصاصاتها الدستورية، والضرورة الداعية لتعديل قانونها، على النحو التالى:

 

المبحث الأول:

نبذة تاريخية عن التطور الدستورى والتشريعي للنيابة الإدارية

    إذا ألقينا نظرة سريعة على نشأة النيابة الإدارية نجد أنه عقب قيام ثورة يوليو عام 1952، وسعياً لمكافحة الفساد المالى والإداري، ظهرت الحاجة إلى انشاء كيان يتمتع بالحياد والاستقلال عن السلطة التنفيذية، يتولى التحقيق مع الموظفين بالجهاز الإداري للدولة، منعاً لتدخل الرؤساء الإداريين في مجريات التحقيق، وفي ما يصدر من قرارات تأديبية، واستجابة لذلك صدر القانون رقم480 لسنة 1954 بإنشاء النيابة الإدارية، ونصت المادة الأولى منه على أن ” تنشأ هيئة تسمى ( النيابة الإدارية) ……”، وحددت المادة الثانية منه اختصاصات النيابة الإدارية في اجراء التحقيقات الإدارية مع موظفي الدولة الداخلين في الهيئة والمستخدمين الخارجين عنها والعمال، وما يحال إليها من الجهات الإدارية المختصة، وما تتلقاه من شكاوى ذوى الشأن.

   أعقب ذلك صدور قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن إعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، والذى ألغى القانون رقم480 لسنة 1954، ثم لحقه عدة تعديلات، ونصت المادة الأولى منه على أن ” النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة تلحق بوزير العدل “.

  وحددت المادة (3) منه اختصاصات النيابة الإدارية بالتحقيق في المخالفات المالية والإدارية التي تتكشف لها أو تحال إليها من الجهات الإدارية، وما تتلقاه من شكاوى الأفراد والهيئات.

   ونصت المادة (12) من القانون ذاته أنه “إذا رأت النيابة الإدارية حفظ الأوراق أو أن المخالفة لا تستوجب توقيع جزاء أشد من الجزاءات التي تملك الجهة الإدارية توقيعها أحالت الأوراق إليها.

  ومع ذلك فللنيابة الإدارية أن تحيل الأوراق إلى المحكمة التأديبية المختصة إذا رأت مبرراً لذلك.

 وفي جميع الأحوال تخطر الجهة الإدارية التي يتبعها العامل بالإحالة.

وعلى الجهة الإدارية خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إبلاغها بنتيجة التحقيق أن تصدر قرارا بالحفظ أو بتوقيع الجزاء.

   فإذا رأت الجهة الإدارية تقديم العامل إلى المحاكمة التأديبية أعادت الأوراق إلى النيابة الإدارية لمباشرة الدعوى أمام المحكمة التأديبية المختصة.

  ويجب على الجهة الإدارية أن تخطر النيابة الإدارية بنتيجة تصرفها في الأوراق خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ صدور قرار الجهة الإدارية”.

 والمستفاد مما تقدم، أن المادة (12) المشار إليها منحت الجهة الإدارية سلطة اصدار القرارات التأديبية بحفظ التحقيقات أو توقيع الجزاءات التأديبية في التحقيقات التي باشرتها النيابة الإدارية، وقصرت سلطة النيابة الإدارية في هذا الشأن بعد انتهاء التحقيقات، على إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية لإصدار القرارات التأديبية اللازمة بالحفظ أو توقيع الجزاء.

   وتضمن دستور عام 1971 في الفصل الرابع منه المعنون (السلطة القضائية) النص على الجهات القضائية، وهي القضاء العادى ومجلس الدولة، وأكد على استقلالهما وحدد اختصاصات مجلس الدولة بالفصل في المنازعات الإدارية وفي الدعاوى التأديبية، وأحال إلى القانون في تحديد اختصاصاته الأخرى. وخلت نصوص دستور عام 1971 من النص على النيابة الإدارية كهيئة قضائية مستقلة، وإنما أحالت المادة (167) منه إلى القانون في شأن تحديد الهيئات القضائية واختصاصاتها وطريقة تشكيلها، وشروط وإجراءات تعيين أعضائها ونقلهم.

 واستمرت النيابة الإدارية في مباشرة اختصاصاتها سالفة البيان، باعتبارها هيئة قضائية مستقلة، استناداً لنصوص قانونها الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 117 لسنة 1958.

  وأرست المحكمة الدستورية العليا بحكمها الصادر في الدعوى رقم 12 لسنة 38 قضائية “دستورية”، بجلسة 13/5/2023، القاضى بعدم دستورية نصوص المواد (43 و44 و45 و46 و47 و48 و49 و50 و51) الواردة في الفصل الرابع ” التأديب ” من اللائحة التنفيذية للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 774 لسنة 1976، مبدأ مهماً مفاده أن تنظيم المساءلة التأديبية لا يكون إلا بقانون، وجاء في حيثيات قضاءها ” أن دستور سنة 1971 – الذي صدرت اللائحة التنفيذية المحال نصوصها خلال العمل بأحكامه – وإن نص في مادته (146) على أن ” يصدر رئيس الجمهورية القرارات اللازمة لإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامة”؛ إلا أنه في الأحوال التي يتساند فيها إنشاء المرافق والمصالح العامة إلى قانون يتضمن تنظيمًا لتأديب العاملين بالمرفق، فإن هذه الولاية تضحى اختصاصًا استئثاريًّا محجوزًا للقانون، تلتزمه ولا تخرج عليه الأعمال التشريعية الصادرة من رئيس الجمهورية لتنفيذ ذلك القانون – أيًّا كانت طبيعتها ومضمونها – إعمالاً منها لحكم المادة (144) من دستور 1971″.

(حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في الدعوى رقم 12 لسنة 38 قضائية “دستورية”، بجلسة 13/5/2023).

  ومقتضى القضاء المتقدم، ضرورة تنظيم كافة المسائل المتعلقة بمباشرة النيابة الإدارية لاختصاصاتها بتأديب العاملين بالدولة بقانون، وليس بموجب أي أداة تشريعية أدنى.

   ومع التطورات السياسية التي شهدتها البلاد في أعقاب ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وإيماناً من الشارع الدستورى بأهمية الدور الذى تقوم به النيابة الإدارية في اصلاح الجهاز الإداري بالدولة ومكافحة الفساد المالى والإداري، فقد تضمن دستور عام 2012 في المادة (180) منه النص على أن ” النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة، تتولى التحقيق فى المخالفات المالية والإدارية، وتحريك ومباشرة الدعوى التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة، واتخاذ الإجراءات القانونية لمعالجة أوجه القصور فى أداء المرافق العامة، ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى.

   ويكون لأعضائها الضمانات والحصانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية.”  

  وتضمنت ديباجة الدستور المصرى الصادر في 18 يناير 2014 مكافحة الفساد ضمن المقومات الأساسية التي يقوم عليها الدستور، حين نصت على ” أننا نكتب دستوراً نغلق به الباب أمام أى فساد وأى استبداد، ونعالج فيه جراح الماضى من زمن الفلاح الفصيح القديم، وحتى ضحايا الإهمال وشهداء الثورة فى زماننا، ونرفع الظلم عن شعبنا الذى عانى طويلاً”.

   ونصت المادة (197) منه على أن “النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة، تتولى التحقيق فى المخالفات الإدارية والمالية، وكذا التى تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة لجهة الإدارة فى توقيع الجزاءات التأديبية، ويكون الطعن فى قراراتها أمام المحكمة التأديبية المختصة بمجلس الدولة، كما تتولى تحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة، وذلك كله وفقا لما ينظمه القانون.

ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى، ويكون لأعضائها الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية. وينظم القانون مساءلتهم تأديبياً”.

والمستفاد من النص الدستوري سالف البيان ما يلى:

  أولاً: النص في الدستور على أن النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة، منح النص الدستورى المشار إليه النيابة الإدارية وصفها كهيئة قضائية مستقلة، بعد أن كانت تستمد هذا الوصف من قانونها.

   وتباشر النيابة الادارية اختصاصاتها بوصفها الأمينة على الدعوى التأديبية نيابة عن المجتمع، أسوة بدور النيابة العامة في النيابة عن المجتمع في مواجهة الجرائم الجنائية، ولذا كفل لها الدستور الاستقلال، لتقوم بدورها المنوط بها في الحفاظ على المال العام وضمان انتظام الوظيفة العامة.

ثانياً: حدد النص الدستورى المشار إليه بعض اختصاصات النيابة الادارية، وأحال إلى القانون في تحديد البعض الآخر منها، حيث نص على اختصاصها بالتحقيق فى المخالفات الإدارية والمالية، وتحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة.

 و مما لا يقبل الشك أو التأويل أن الشارع الدستورى بموجب هذا النص قد وسّد إلى النيابة الإدارية الولاية العامة بالتأديب والاختصاص العام بالتحقيق في المخالفات المالية والإدارية، ومفاد ذلك وعلى نحو ما قضت به المحكمة الدستورية العليا بحكمها الصادر في الدعوى رقم 96 لسنة40 قضائية “دستورية”، بجلسة 11/2/2023، “أن تتولى هيئة النيابة الإدارية – بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة لها بمقتضاه – التحقيق في المخالفات المالية والإدارية، أيًّا كانت وسيلة اتصالها بها دون أن يكون الاختصاص بالتحقيق في المخالفات المار ذكرها، استئثاريًّا محجوزًا لهيئة النيابة الإدارية وحدها، وإنما يجوز إسناده إلى غيرها إذا ما توافرت الشروط والضوابط الموضوعية لذلك، وكانت الغاية من الخروج على الاختصاص العام لهيئة النيابة الإدارية في شأن تولي تحقيق المخالفات المالية والإدارية مشروعًا، وبه تتحقق الأهداف التي تغياها المشرع من توسيد هذا الاختصاص – في أحوال بعينها – إلى غيرها”. (حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في الدعوى رقم 96 لسنة40 قضائية “دستورية”، بجلسة 11/2/2023).

  ومقتضى هذا القضاء وجوب تنظيم كافة المسائل المتعلقة بولاية النيابة الإدارية في التأديب بموجب قانون، وليس بموجب أي أداة تشريعية أدنى.

ثالثاً: ناط الدستور بالنيابة الإدارية تحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة، وذلك كله وفقا لما ينظمه القانون.

رابعاً: منح النص الدستورى المشار إليه أعضاء النيابة الإدارية ذات الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية، وأحال إلى القانون في شأن تنظيم مساءلتهم تأديبياً.    

خامساً: استحدث النص الدستورى سالف البيان اختصاصاً جديداً للنيابة الإدارية، وهو اختصاصها بإصدار القرارات التأديبية فى التحقيقات التي تباشرها، وذلك وفقاً للسلطات المقررة لجهة الإدارة، حيث نص على أنه” ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة لجهة الإدارة فى توقيع الجزاءات التأديبية”، وناط بالمحكمة التأديبية النظر في الطعون على تلك القرارات.

  ومفاد النص الدستورى المشار إليه أن للنيابة الإدارية ولاية توقيع الجزاءات التأديبية فيما تباشره من تحقيقات، وذلك فى حدود السلطات المقررة للجهة الإدارية في توقيع الجزاءات، ومقتضى ذلك، اقتصار تلك الجزاءات على الجزاءات التي يمكن للجهة الإدارية توقيعها على الموظف، دون أن تستطيل إلى الجزاءات التي تنفرد المحاكم التأديبية بتوقيعها.

  وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد تواتر على أن ” شرعية الجزاء – جنائيًّا كان أم مدنيًّا أم تأديبيًّا– مناطها أن يكـــــون متناسبًا مـــــع الأفعـــــال التي أثمها المشـــــرع، أو حظرها أو قيد مباشرتها، وأن الأصل في العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل بها إلا بقدر لزومها، نأيًا بها أن تكون إيلامًا غير مبرر يؤكد قسوتها في غير ضرورة، ولا يجوز بالتالي أن تناقض –بمداها أو طرائق تنفيذها– القيم التي ارتضتها الأمم المتحضرة”.

(حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 100 لسنة 43 قضائية “دستورية”، الصادر بجلسة 4/11/2023).

 ولما كان للجزاء التأديبي آثره البالغ في حياة الموظف العام، ولتوفير مزيد من الضمانات للموظف العام، فقد منح النص الدستورى سالف البيان النيابة الإدارية – بوصفها هيئة قضائية مستقلة-الاختصاص بإصدار القرارات التأديبية بتوقيع الجزاءات التأديبية فيما يتعلق بالقضايا التي باشرت النيابة التحقيق فيها، وأحال إلى القانون في تنظيم ذلك.

   واعمالا للنص الدستوري المشار إليه نصت المادة (57) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسنة 2015 بشأن الخدمة المدنية على أن” تختص النيابة الإدارية دون غيرها بالتحقيق مع شاغلي وظائف الإدارة العليا وكذا تختص دون غيرها بالتحقيق في المخالفات المالية التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للوحدة أو المساس به.

كما تتولى التحقيق في المخالفات الأخرى التي تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة للسلطة المختصة في توقيع الجزاءات والحفظ.

  وعلى الجهة الإدارية المختصة بالنسبة لسائر المخالفات أن توقف ما تجريه من تحقيق في واقعة أو وقائع وما يرتبط بها إذا كانت النيابة الإدارية قد بدأت التحقيق فيها، ويقع باطلاً كل إجراء أو تصرف يخالف ذلك”.

  وحال عرض القرار بقانون المشار إليه على مجلس النواب، قرر المجلس بقراره رقم 1 لسنة 2016، الصادر في 1/2/2016، “عدم إقرار القرار بقانون رقم 18 لسنة 2015 بإصدار قانون الخدمة المدنية، مع اعتماد نفاذه فى الفترة من تاريخ صدوره فى 12/3/2015 إلى 20/1/2016، وما يترتب على ذلك من آثار”.

   أعقب ذلك صدور القانون رقم 81 لسنة 2016 بشأن الخدمة المدنية ناصاً فى مادته (60) على أن” تختص النيابة الإدارية دون غيرها بالتحقيق مع شاغلي الوظائف القيادية، وكذا تختص دون غيرها بالتحقيق في المخالفات المالية التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للدولة أو المساس بها.

كما تتولى التحقيق في المخالفات الأخرى التي تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة للسلطة المختصة في توقيع الجزاءات أو الحفظ.

وعلى الجهة الإدارية المختصة بالنسبة لسائر المخالفات أن توقف ما تجريه من تحقيق في واقعة ما أو وقائع وما يرتبط بها إذا كانت النيابة الإدارية قد بدأت التحقيق فيها, ويقع باطلاً كل إجراء أو تصرف يخالف ذلك”. 

المبحث الثانى:

طرق اتصال النيابة الإدارية بالقضايا التي تتولى التحقيق فيها

 وأوجه تصرفها.

نعرض فيما يلي لطرق اتصال النيابة الإدارية بالقضايا التي تتولى التحقيق فيها، وأوجه تصرفها في تلك القضايا.

أولاً: طرق اتصال النيابة الإدارية بالقضايا التي تتولى التحقيق فيها.

تتصل النيابة الإدارية بالقضايا بإحدى الطرق الآتية:

• البلاغات التي ترد إلىها من الجهات الإدارية والأجهزة الرقابية.

• الشكاوى التي يتقدم بها العاملون بالدولة أو غيرهم إلى النيابة الإدارية عن طريق الوسائل التي خصصتها النيابة لتلقى الشكاوى، تسهيلاً على المواطنين وهى “التسليم شخصياً- البريد العادى أو الإلكتروني- الخط الساخن -خدمة رسائل الواتس آب”.

• ما يبلغ به مركز الاعلام بالنيابة رئيس الهيئة، من خلال متابعته للأخبار وقضايا الرأي العام.

• القضايا التي تنتهي فيها النيابة العامة إلى إحالة أوراقها إلى النيابة الإدارية، بطلب إحالة المتهمين إلى المحاكمة التأديبية.

ثانياً: أوجه تصرف النيابة الإدارية في القضايا المعروضة عليها.

• قبل العمل بدستور عام 2014

أ- وفقاً لنص المادة (12) من القرار بقانون رقم 117 لسنة 1958، في حال انتهاء النيابة الإدارية في التحقيقات التي تباشرها إلى حفظ التحقيق أو مجازاة الموظف، فإن كل ما تملكه فى هذه الحالة هو إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية لإصدار القرار اللازم، ولا تملك النيابة الإدارية اصدار مثل هذا القرار سواء بالحفظ أو توقيع الجزاء.

ب-إحالة الأوراق إلى المحكمة التأديبية المختصة، إذا رأت مبرراً لذلك، اعمالاً لنص المادة(14) من القرار بقانون رقم 117 لسنة 1958.

ج- ابلاغ النيابة العامة لإعمال شئونها إن رأت لذلك مقتضى.

د- اقتراح فصل الموظف بغير الطريق التأديبي.

• بعد العمل بدستور عام 2014

   استحدث دستور عام 2014 بالمادة (197) منه، اختصاصاً جديداً للنيابة الإدارية، وهو اختصاصها بتوقيع الجزاءات التأديبية على الموظفين في القضايا التي باشرت التحقيق فيها، وانفاذاً للنص الدستورى المشار إليه نصت المادة (60) من قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016 على أن” تختص النيابة الإدارية دون غيرها بالتحقيق مع شاغلي الوظائف القيادية، وكذا تختص دون غيرها بالتحقيق في المخالفات المالية التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للدولة أو المساس بها.

كما تتولى التحقيق في المخالفات الأخرى التي تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة للسلطة المختصة في توقيع الجزاءات أو الحفظ”.

  ولما كان من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا ” إن الدستور لا يقرر بالنصوص التي يتضمنها أمورًا مندوبة يجوز اتباعها أو الإعراض عنها، بل يقرر بها ما يكون واجبًا ولازمًا، فلا يكون المشرع بالخيار بين تطبيقها أو إرجائها، بل يتقيد بها بالضرورة فلا يتخطاها أو يميل انحرافًا عنها. 

   وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه متى عهد الدستور إلى سلطة معينة باختصاصات محددة استقل من عيَّنه الدستور دون غيره بممارستها”.

(حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 6 لسنة 44 قضائية “دستورية”، جلسة 8/7/ 2023).

   ولما كان المستقر عليه أن قواعد توزيع الاختصاص التي حددها الدستور تُعد من النظام العام، ومن ثم لا يجوز الخروج عليها، وكان نص المادة (197) من الدستور قد اختص النيابة الإدارية بإصدار القرارات التأديبية اللازمة بتوقيع الجزاءات فى القضايا التي باشرت التحقيقات فيها، وهو ما ردده نص المادة (60) من قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 سالف البيان، إلا أن قانون النيابة الإدارية الصادر بالقرار بقانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية لم يلحقه أي تعديل لتضمين نصوصه هذا الاختصاص الجديد للنيابة الإدارية وآلية مباشرته.

 وفى ظل عدم تعديل القانون المنظم للنيابة الإدارية والصادر عام 1958، أصدر معالي المستشار الجليل رئيس هيئة النيابة الإدارية القرار 129 لسنة 2016بشأن نظام العمل بلجان التأديب والتظلمات بالنيابة الادارية، ولحقه عدة تعديلات، وحدد اختصاصاتها في اصدار القرارات التأديبية بحفظ التحقيق وتوقيع الجزاءات التأديبية المنصوص عليها بالقانون، عدا ما تختص به المحاكم التأديبية. وباشرت تلك اللجان مهامها، إلا أن بقاء قانون النيابة الإدارية سالف البيان دون تعديل، وضع الكثير من العقبات أمام تحقيق الهدف من المرجو من انشائها، وهو مباشرة النيابة الإدارية لاختصاصها المنصوص عليه دستورياً بإصدار القرارات التأديبية في القضايا التي باشرت التحقيقات فيها، والتي نعرض لها فيما يلي. 

 

المبحث الثالث:

الضروريات الداعية لتعديل القرار بقانون رقم 117 لسنة 1958 

بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية.

   نعرض فيما يلى للضروريات التي توجب تعديل قانون النيابة الإدارية والمتمثلة في التغلب على العقبات التي تحول دون مباشرة النيابة الإدارية لاختصاصاتها الدستورية، وانفاذ أحد بنود الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2023/2030.

أولاً: العقبات التي تحول دون مباشرة النيابة الإدارية لاختصاصاتها الدستورية في ظل القرار بقانون رقم 117 لسنة 1958.

    أسفر الواقع العملى عن الكثير من العقبات التي حالت دون إنفاذ ما تضمنه نص المادة (197) من الدستور من اختصاص النيابة الإدارية بإصدار القرارات التأديبية في التحقيقات التي باشرت التحقيقات فيها، وأهمها صدور العديد من الأحكام القضائية من المحاكم التأديبية والمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة، والعديد من الفتاوى القضائية من الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بمجلس الدولة ببطلان قرارات الجزاء الصادرة عن لجان التأديب بالنيابة الإدارية استناداً إلى أن النص الدستورى سالف البيان ليس نافذاً نفاذاً مباشراً بذاته، وإنما يلزم لنفاذه اعمال ما تضمنه النص الدستورى ذاته من تنظيم هذا الاختصاص بموجب قانون، ومن ثم ضرورة تعديل قانون النيابة الإدارية وإضافة اختصاصها بإصدار تلك القرارات، وآلية مباشرة ذلك الاختصاص، وتشكيل تلك اللجان ونظام عملها، وانتهت تلك الأحكام والفتاوي إلى بطلان تلك القرارات استناداً إلى أسباب عدة منها:

1- بطلان تلك القرارات لبطلان لجان التأديب التي أصدرتها لكون تشكيلها صادر بقرار من رئيس هيئة النيابة الإدارية، حال عدم اختصاصه، لكون ذات الاختصاص من الاختصاصات المحجوزة للقانون دون غيره.

2- بطلان تلك القرارات التأديبية لخلو قانون النيابة الإدارية من تنظيم ذلك الاختصاص، وعدم جواز تنظيم قانون الخدمة المدنية له، لكونه ليس القانون المنظم لعمل النيابة الإدارية، والتى يتطلب تنظيم عملها – بوصفها هيئة قضائية مستقلة-، قانون خاص بها، يلزم لإقراره إجراءات خاصة منها موافقة ثلثى أعضاء مجلس النواب، بوصفه من القوانين المكملة للدستور اعمالاً لحكم المادة 121 من الدستور.

3- بطلان القرارات التأديبية الصادرة من لجان التأديب بتوقيع الجزاءات، تأسيساً على أن نص قانون الخدمة المدنية سالف البيان يقتضى صدور كافة القرارات التأديبية من رئيس هيئة النيابة الإدارية وحده، بوصفه السلطة المختصة، دون لجان التأديب.

ثانياً: ضرورة تعديل القرار بقانون رقم 117 لسنة 1958، إنفاذاً للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2023/2030.

  أولى الدستور المصرى الصادر عام 2014 اهتماما بالغاً بمكافحة الفساد، حيث نصت المادة (218) منه على أن “تلتزم الدولة بمكافحة الفساد، ويحدد القانون الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بذلك.

وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، ضماناً لحسن أداء الوظيفة العامة والحفاظ على المال العام، ووضع ومتابعة تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون”.

  ولما كان النص الدستورى المشار إليه قد نص على مكافحة الفساد باعتباره التزاماً دستوري على عاتق الدولة، وألزم الهيئات والأجهزة الرقابية والهيئات والأجهزة المعنية بمكافحة الفساد، بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد ومتابعة تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. وكان اعداد مسودة قانون إعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكم التأديبية وإصدار القانون، ضمن الأهداف التي تضمنتها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2023-2030، ونصت عليها كأحد الإجراءات التنفيذية لتحديث التشريعات المنظمة لعمل القضاء الإداري، الواردة بالهدف الفرعى الأول المعنون “تعزير التشريعات الداعمة لمكافحة الفساد” من الهدف الاستراتيجي الثاني المعنون “إيجاد بيئة تشريعية وقضائية داعمة لمكافحة الفساد ومحقق للعدالة الناجزة”، ومن ثم فإن إنفاذ هذا الالتزام يقتضى تعديل قانون النيابة الإدارية.

خاتمة.

   يبين من جماع ماتقدم، أن الحاجة باتت ملحة لتعديل قانون النيابة الإدارية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 117 لسنة 1958، وإلغاء المادة (12) منه، وتضمين القانون الأحكام التي نصت عليها المادة (197) من دستور عام 2014، وعلى الأخص منها اختصاص النيابة الإدارية بإصدار القرارات التأديبية بحفظ التحقيقات وتوقيع الجزاءات التأديبية في القضايا التي باشرت التحقيق فيها، وتنظيم آلية وضوابط مباشرتها لذلك الاختصاص، على نحو يتيح للنيابة الادارية مباشرة اختصاصاتها الدستورية.النيابة الإدارية

بين نفاذ النص الدستورى وضرورة التعديل التشريعى

 

اعداد المستشارة الدكتورة / شيماء نجم

الوكيل العام الأول بالنيابة الإدارية

عضو هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا ندبا

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى