بقلم: رنيم علاء نور الدين
في أحد شوارع لندن الهادئة، حيث تبدو الحياة عادية من الخارج، كانت مأساة حقيقية تتشكل خلف الأبواب المغلقة دون أن يدرك أحد حجم الكارثة القادمة.
كان تيموثي إيفانز رجلاً بسيطاً يعيش حياة متواضعة مع زوجته بيريل وابنتهما الصغيرة جيرالدين داخل شقة متواضعة في شارع ريلينغتون. لم يكن ثرياً أو صاحب نفوذ، بل كان رجلاً محدود التعليم، يعاني من الفقر وصعوبات الحياة اليومية، ويحاول جاهداً توفير حياة أفضل لعائلته الصغيرة.
لكن خلف جدار شقته مباشرة كان يعيش رجل آخر يبدو هادئاً ومحترماً في نظر الجميع. لم يكن أحد يعلم أن ذلك الجار، جون كريستي، يخفي وجهاً مرعباً جعله لاحقاً واحداً من أشهر القتلة المتسلسلين في تاريخ بريطانيا.
مع مرور الوقت بدأت الخلافات الزوجية تزداد داخل منزل تيموثي بسبب الظروف المعيشية الصعبة والضغوط المالية المتراكمة. وفي خضم تلك الأزمات اختفت بيريل وابنتها جيرالدين في ظروف غامضة، لتبدأ واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في القرن العشرين.
عندما استجوبت الشرطة تيموثي، بدا مرتبكاً وخائفاً وغير قادر على شرح ما حدث بصورة واضحة. أدلى بأقوال متناقضة وغير مترابطة، واعترف في إحدى المرات بأن زوجته توفيت أثناء محاولة إجهاض غير قانونية، ثم أشار إلى أن جاره جون كريستي هو من ساعده في التخلص من الجثة. وبعد ذلك عاد وغير أقواله أكثر من مرة.
بدلاً من البحث بعمق وراء تلك التناقضات، ركزت الشرطة شكوكها بالكامل على تيموثي. فقد بدا لهم رجلاً ضعيف الشخصية، عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، بينما ظهر جون كريستي كرجل هادئ ومتزن لا يثير الريبة.
ومع استمرار التحقيقات عُثر على جثتي بيريل وجيرالدين، وتم توجيه الاتهام إلى تيموثي إيفانز. ورغم إصراره على براءته وتأكيده أن جاره هو المسؤول الحقيقي، فإن اعترافاته المضطربة كانت كافية لإدانته أمام المحكمة.
في عام 1950 صدر الحكم بإعدام تيموثي إيفانز بتهمة قتل ابنته الصغيرة، ونُفذ الحكم بالفعل، لتنتهي حياته وهو يصر حتى اللحظات الأخيرة على أنه بريء.
بدا وكأن القضية أغلقت إلى الأبد.
لكن الحقيقة كانت لا تزال مختبئة داخل المنزل نفسه.
بعد سنوات قليلة فقط، كشفت التحقيقات عن سلسلة جرائم مروعة ارتكبها جون كريستي. وعندما فتشت الشرطة منزله عثرت على جثث عدد من النساء كان قد قتلهم وخبأهم داخل العقار. ومع تزايد الأدلة، اعترف كريستي بارتكاب جرائم قتل متعددة، ومن بينها قتل بيريل زوجة تيموثي.
في تلك اللحظة أدرك الجميع حجم الخطأ الذي ارتكبته العدالة.
الرجل الذي أعدمته الدولة كان بريئاً، بينما القاتل الحقيقي ظل حراً طليقاً بعد إعدامه، وتمكن من ارتكاب جرائم أخرى قبل أن يتم القبض عليه.
أثارت القضية صدمة هائلة داخل بريطانيا وخارجها، وتحولت إلى رمز عالمي للأحكام القضائية الخاطئة. وبعد سنوات طويلة، أُعلن رسمياً أن تيموثي إيفانز بريء من الجريمة التي أُعدم بسببها، وقدمت السلطات اعتذاراً لعائلته.
لكن ذلك الاعتذار لم يستطع إعادة أبٍ فقد حياته ظلماً، ولا أن يمحو مأساة رجل دفع ثمن جريمة ارتكبها شخص آخر كان يعيش على بعد أمتار قليلة منه.
وحتى اليوم، لا تزال قضية تيموثي إيفانز تُذكر باعتبارها واحدة من أكثر القضايا التي هزت الثقة في عقوبة الإعدام، وأحد الأسباب الرئيسية التي دفعت بريطانيا لاحقاً إلى إلغائها، بعدما أثبتت تلك المأساة أن الخطأ القضائي الواحد قد يكون كافياً لإنهاء حياة بريء إلى الأبد.
