بقلم: رنيم علاء نور الدين
خلف شاشات الهواتف الذكية وتطبيقات المحادثات الافتراضية، باتت تختبئ أحياناً بذور مآسٍ واقعية تقشعر لها الأبدان، لتتحول الحروف المكتوبة في لحظة غضب أعمى إلى شفرات حادة تسيل الدماء على الأسفلت. فاجعة جديدة هزت أركان مدينة الكردي بمحافظة الدقهلية، ضحيتها طالب جامعي في مقتبل العمر، سقط صريعاً غارقاً في دمائه إثر طعنات غادرة وجهها له شاب تملكه الشيطان، بسبب رسائل هاتفية.
بدأت خيوط الواقعة الأليمة عندما تلقى مدير أمن الدقهلية إخطاراً من مدير المباحث الجنائية، يفيد بورود بلاغ لمأمور قسم شرطة الكردي، يستند إلى مصرع شاب بطعنات متفرقة في الجسد، وجرى نقله على الفور لمستشفى ميت سلسيل المركزي في محاولة بائسة لإنقاذه.
وفور الإخطار، انتقلت قوة أمنية مكثفة من ضباط وحدة مباحث المركز إلى مكان البلاغ؛ وبالفحص والتحقق تبين مصرع شاب يدعى أحمد ياسر إبراهيم أحمد معاطي، يبلغ من العمر 20 عاماً، وهو طالب بالفرقة الدراسية بكلية الحاسبات والمعلومات جامعة المنصورة، ومقيم بذات المدينة، حيث تحولت صفحات زملائه على مواقع التواصل الاجتماعي إلى سرادق عزاء ينعون فيه خُلق المجني عليه الراحل.
وكشفت التحريات الأولية لرجال المباحث الجنائية عن كواليس اللحظات الأخيرة المرعبة؛ إذ تبين أن المتهم ويدعى “علي الدين ح. ال”، حاصل على الشهادة الثانوية العامة، قد بيت النية على الغدر، وتوجه إلى أحد المقاهي التي كان يتواجد بها المجني عليه برفقة صديقه. وبكل هدوء، طلب المتهم من الضحية الحديث معه جانباً، وما إن ابتعدا بضع خطوات عن صخب المكان، حتى أخرج المتهم سلاحاً أبيض “مطواة” كان يخبئها بين ملابسه، وسدد له طعنتين نافذتين في البطن والظهر، بجانب جروح قطعية بالرأس والرقبة، ليسقط الطالب صريعاً وسط صدمة المارة.
وبفضل التحرك السريع لضباط وحدة المباحث، تم إعداد الأكمنة اللازمة وضبط المتهم والسلاح المستخدم؛ وبمواجهته أقر واعترف تفصيلياً بارتكاب الجريمة البشعة، مبرراً خطته الانتقامية بعثوره على رسائل ومحادثات عبر تطبيق “واتس آب” بين المجني عليه وشقيقته، مما أثار حفيظته ودفعه لإنهاء حياته بتلك الوحشية.
جرى نقل جثمان الفقيد إلى مشرحة المستشفى العام تحت تصرف النيابة، وتحرر عن ذلك المحضر القانوني اللازم، وتم عرض المتهم على جهات التحقيق لمباشرة أعمالها، لتقف مدينة الكردي حزينة على ضياع مستقبل شابين؛ أحدهما تحت التراب والآخر خلف القضبان.
أمام هذه الجريمة المأساوية التي تفجرت بسبب محادثات هاتفية، هل غابت لغة الحوار والعقل لتترك مكانها للاندفاع الدموي بدعوى الدفاع عن الشرف، وكيف يمكن للشباب توخي الحذر في استخدام الفضاء الرقمي لتفادي سوء الفهم الذي قد يقود إلى نهايات كارثية؟
