بقلم: رنيم علاء نور الدين
لم يكن نهار محافظة الدقهلية اعتيادياً؛ بل جاء محملاً بنبأ فاجعتين متتاليتين يفصل بينهما بضعة كيلومترات، لتذكرنا هذه الحوادث مجدداً بأن المأساة قد تكمن خلف تفاصيل يومية بسيطة يسعى فيها البسطاء خلف كسب عيشهم. بين صعق كهربائي مباغت أعلى سيارة نقل ثقيل، وسقوط كابينة حديدية قاتلة داخل ورشة ميكانيكا، خيم الحزن على أهالي المحافظة في يوم دامي حبس الأنفاس.
شهدت الواقعة الأولى تفاصيل مروعة بالقرب من كمين “حادوث” التابع لمركز المنزلة، حينما حاول شخصان تنحية خطر سلك كهربائي هابط من أعلى سيارة تريلا كانت تمر بالطريق. وفي ثوانٍ معدودة، تحولت النوايا الطيبة إلى فخ مميت، حيث سرى التيار الكهربائي بغتة في جسديهما مسبباً صعقاً شديداً ألقى بهما أرضاً وسط ذعر المارة.
وفور تلقي الأجهزة الأمنية البلاغ، هرعت سيارات الإسعاف إلى موقع الحادث؛ وتبين بالفحص إصابة كل من محمود محمد محمود (35 عاماً) بحروق من الدرجة الثانية بالقدم وجرح قطعي بالرأس، ووليد خيري عبدالمهدي (53 عاماً) بسحجات بالصدر وعدم انتظام بضربات القلب. وجرى نقلهما على وجه السرعة إلى مستشفى المنزلة لتلقي الرعاية الطبية، فيما أكدت المؤشرات الأولية نجاتهما من موت محقق.
ولم تكد القلوب تلتقط أنفاسها، حتى استيقظ مركز السنبلاوين على فاجعة أخرى أكثر قسوة على طريق قرية “نوب طريف”. داخل إحدى ورش الميكانيكا، كان الطفل أحمد جمعة عبدالواحد، الذي لم يتجاوز الـ14 من عمره، يتلمس خطواته الأولى في مهنة شاقة، قبل أن تنقلب كابينة سيارة نقل ثقيل كانت تخضع للإصلاح وتسقط فوق جسده النحيل فجأة لتسحق طفولته وتحول الورشة إلى ساحة عزاء.
وانتقلت سيارات الإسعاف فوراً إلى مسرح الحادث الثاني، ونُقل جثمان الطفل الصغير إلى مشرحة مستشفى السنبلاوين العام بعد أن وصل جثة هامدة، ليوضع تحت تصرف جهات التحقيق التي باشرت في الواقعتين معاينة المواقع وسؤال الشهود للوقوف على الأسباب الحقيقية والملابسات الكاملة، وسط مطالبات بفرض معايير أكثر صرامة للأمن الصناعي والسلامة المهنية.
أمام تكرار حوادث العمل وغياب اشتراطات السلامة المهنية، هل باتت ورش الميكانيكا ومواقع العمل اليدوي بحاجة إلى رقابة حازمة لحماية الأرواح، وكيف يمكن للمجتمع التصدي لظاهرة عمالة الأطفال وتوفير بيئة آمنة لهم تحميهم من مصير مأساوي كمصير طفل السنبلاوين؟
