
بقلم: رنيم علاء نور الدين
في كثير من الأحيان يطلق الناس الأحكام من النظرة الأولى، دون أن يعرفوا الحكاية الكاملة المختبئة خلف الملامح والوجوه. قد يضحك البعض على شخص مختلف عنهم، وقد يحدق آخرون فيه باستغراب، لكن قليلين فقط من يتوقفون ليسألوا: ماذا مرّ به هذا الإنسان حتى وصل إلى هنا؟
في العشرين من ديسمبر عام 1874، وُلدت ماري آن بيفان في لندن، وعاشت سنوات شبابها كأي فتاة أخرى تحلم بحياة مستقرة ومستقبل هادئ. عملت في مجال التمريض، وكانت معروفة بين من حولها بحسن أخلاقها واجتهادها. لم تكن تعلم أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب بسبب مرض نادر سيغيّر كل شيء.
تزوجت ماري من توماس بيفان، وعاشت معه حياة أسرية مستقرة، وأنجبت أربعة أطفال كانوا محور حياتها وسبب سعادتها. بدا المستقبل واعدًا أمام الأسرة الصغيرة، لكن الأقدار كانت تخبئ لها اختبارًا قاسيًا لم تكن مستعدة له.
مع مرور السنوات بدأت أعراض غريبة تظهر على جسدها. لم تكن تعلم أن السبب هو مرض نادر يُعرف باسم “الأكروميجالي”، وهو اضطراب يحدث نتيجة زيادة إفراز هرمون النمو. شيئًا فشيئًا بدأت ملامح وجهها تتغير، وتضخمت بعض عظام جسدها، وأصبحت نظرات الناس إليها مختلفة عما كانت عليه في السابق.
لكن الضربة الأقسى لم تكن المرض نفسه.
في عام 1914 توفي زوجها فجأة، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة الحياة، مسؤولة عن أربعة أطفال يحتاجون إلى الطعام والرعاية والمأوى. وبينما كانت تحاول الوقوف على قدميها من جديد، اصطدمت بواقع قاسٍ؛ فالكثير من الناس لم يعودوا يرون فيها الممرضة المجتهدة أو الأم المكافحة، بل أصبحوا يرون فقط ملامحها المختلفة.
تضاءلت فرص العمل أمامها، وأصبحت الحاجة المادية تضغط عليها يومًا بعد يوم. ومع تزايد المسؤوليات، اضطرت إلى اتخاذ قرار لم تكن تتخيل يومًا أنها ستلجأ إليه.
وافقت على العمل في عروض كانت تُعرف آنذاك باسم “عروض الغرباء”، وهي أماكن كان يُعرض فيها الأشخاص الذين يعانون من حالات جسدية نادرة أمام الجمهور مقابل المال. وهناك أُطلق عليها لقب قاسٍ ظل يلاحقها لسنوات: “أبشع امرأة في العالم”.
كان الزوار يتدفقون لرؤيتها بدافع الفضول أو السخرية، بينما كانت هي تقف أمامهم حاملة في قلبها هدفًا واحدًا فقط: تأمين حياة أفضل لأطفالها.
تحملت النظرات الجارحة والكلمات القاسية واللقب الذي التصق بها رغم قسوته، لأنها كانت تعلم أن خلف كل يوم عمل هناك أربعة أطفال ينتظرونها. لم تكن تبحث عن الشهرة، ولم تكن ترغب في أن تصبح مادة للفرجة، لكنها كانت أمًا تقاتل بطريقتها الخاصة من أجل أسرتها.
استمرت ماري آن بيفان في العمل سنوات طويلة، حتى أصبحت واحدة من أشهر الشخصيات في تلك العروض. ومع ذلك، بقيت قصتها شاهدة على جانب مظلم من نظرة المجتمع إلى الاختلاف، وعلى الثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يحكم الآخرون عليه من مظهره فقط.
وفي السادس والعشرين من ديسمبر عام 1933، رحلت ماري عن عمر ناهز 59 عامًا، تاركة خلفها قصة مؤلمة عن المرض والتنمر والفقر، لكنها تركت أيضًا قصة أعظم عن أم ضحت بكرامتها وواجهت قسوة العالم بأكمله من أجل أطفالها.
ربما عرفها العالم لسنوات طويلة بلقب ظالم، لكن التاريخ يتذكرها اليوم بصورة مختلفة؛ امرأة لم تهزمها نظرات الناس، بل واصلت السير رغم كل شيء، لأن هناك أربعة قلوب صغيرة كانت تعتمد عليها.




