بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تتبلد المشاعر الإنسانية وتتحول الخلافات الأسرية إلى دافع للانتقام الأعمى، تسقط كل معاني الأبوة والمودة لتفسح المجال أمام جريمة دموية مع سبق الإصرار والترصد. في هدوء حي الظاهرية بالإسكندرية، سُطرت فصول مأساوية لجريمة بشعة راح ضحيتها شابّة في مقتبل العمر، بعدما خطط طليقها لإنهاء حياتها بدم بارد، ضارباً بعرض الحائط بكل التوسلات والصرخات، وفي مشهد لا يمكن أن يُمحى من ذاكرة طفلين صغيرين شهدا نهاية أمهما.
بدأت الحكاية قبل ست سنوات، عندما انفصلت “جهاد”، الباحثة في كلية الآداب البالغة من العمر 30 عاماً، عن زوجها. وبسبب خلافات مريرة وطويلة على حضانة الأطفال، وتلقيها تهديدات مستمرة بالقتل، قررت الاحتماء ببيت أهلها والعيش مع طفليها بحثاً عن الأمان المفقود، دون أن تدري أن يد الغدر ستطولها حتى داخل حصنها المنيع.
وفي يوم الحادث، لم يكن التحرك عفوياً، بل نتاج تخطيط شيطاني؛ حيث جهّز المتهم حقيبة باللون البرتقالي، خبأ داخلها أدوات الجريمة (سكين ومطرقة)، وتوجه بها مباشرة إلى منطقة الظاهرية. ولأنه كان يبحث عن لحظة حاسمة، جلس على مقهى قريب من منزل أهل طليقته، يراقب المارة وعيناه شاخصتان نحو النوافذ، حتى تأكد بيقين تام من وجود “جهاد” داخل الشقة.
صعد المتهم الدرج بخطوات حاقدة، وطرق الباب. وما إن فتح له والد الضحية، حتى باغت الشيخ المسن باعتداء وحشي مستخدماً المطرقة والسكين. وعندما هرعت الأم المكلومة لتدافع عن ابنتها وتحميها من بطشه، لم تسلم هي الأخرى من نيران غله، ونالها نصيب من الاعتداء الغاشم.
تجاوز المتهم الأبوين الغارقين في دمائهما، واندفع كوحش هائج نحو غرفتهم ليصل إلى “جهاد”. وأمام نظرات الرعب والذعر في عيون طفليهما الصغيرين، سدد لطليقته 7 طعنات نافذة استقرت في رقبتها وصدرها وكتفها، لتسقط الباحثة الشابة جثة هامدة في مشهد مأساوي يدمي القلوب، وتفيض روحها إلى بارئها.
ظن القاتل أن مهمته انتهت وأن طريق الهروب بات ممهداً؛ لكن صرخات الاستغاثة التي انطلقت من الشقة جمعت أهالي الحي الشرفاء، الذين طاردوا المتهم في شوارع المنطقة بحزم وجسارة، ونجحوا في محاصرته وضبطه متلبساً بجرمه، قبل أن يتم تسليمه إلى رجال الشرطة الذين تحفظوا عليه وعلى أدوات الجريمة، لتتولى النيابة العامة التحقيقات الموسعة لكشف الملابسات الكاملة.
ندعو الله العلي القدير أن يتغمد الشابة جهاد بواسع رحمته وفيسح جناته، وأن يمنّ بالشفاء العاجل على والديها، ويربط على قلوب طفليها الصغيرين ويمنحهما الصبر والسكينة بعد ما عاينوه من أهوال.
أمام هذه المأساة الصادمة التي تدق ناقوس الخطر حول تحول خلافات الحضانة والطلاق إلى قضايا دم وتصفية جسدية، كيف ترون سبل تفعيل التهديدات بالقتل قانونياً لحماية الضحايا قبل وقوع الكارثة، وما هو الواجب المجتمعي والدعم النفسي الذي يجب أن يُقدم لهذين الطفلين؟
