بقلم: رنيم علاء نور الدين
هناك قصص يكتبها القدر تفوق في دراميتها وبشاعتها خيال أعتى المخرجين؛ قصص تجعل العقل يقف مذهولاً، والقلب يعتصره الألم عاجزاً عن الاستيعاب. هذا ما شهدته شوارع مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، في واحدة من أغرب المآسي الإنسانية وأقساها، حيث اختطف الموت شقيقتين في دقائق معدودة، وبسيناريو متطابق وكأن روحهما رفضت الفراق حتى في لحظة الرحيل.
بدأت الفصول الحزينة لهذه الفاجعة في منطقة العشش بمدينة رشيد، عندما كانت الشقيقة الأولى “نعمة فوزي” تعبر الطريق كأي يوم عادي، لتفاجئها سيارة طائشة تسير بسرعة جنونية وتدهس جسدها. نُقلت “نعمة” إلى المستشفى وهي بين الحياة والموت، وجرى إدخالها غرفة الإنعاش تحت أجهزة التنفس في محاولة مستميتة لإنقاذها.
وداخل أروقة المستشفى، وفي سباق مع الزمن للوصول إلى ذويها، فتش المسعفون في هاتفها ليعثروا على رقم مسجل بـ “سامية أختي”. أجروا الاتصال وصوت الطبيب يرتجف: “شقيقتك في حالة خطيرة جداً داخل غرفة الإنعاش.. احضري فوراً”.
لم تستوعب “سامية” الصدمة؛ انهارت دموعها وخرجت من بيتها مهرولة، تسبق خطواتها نبضات قلبها المرعوب، وكل أملها أن تصل إلى المستشفى لتضم شقيقتها وتطمئن عليها. لكن “طريق اللحاق بالاخت” كان يخفي خلف منعطفاته فصلاً مرعباً؛ فأثناء ركضها متجهة إلى المستشفى، ومن مفارقات القدر الأليمة، صدمتها هي الأخرى سيارة مسرعة، لتسقط جثة هامدة في مكان الحادث، وتفارق الحياة قبل أن تكحل عينيها برؤية توأم روحها.
الدراما السوداء لم تنتهِ هنا؛ ففي اللحظات نفسها التي كانت تفيض فيها روح “سامية” على الأسفلت، كانت “نعمة” تلفظ أنفاسها الأخيرة داخل غرفة الإنعاش، وكأن روحيهما كانتا على موعد مشفر، فلم ترد إحداهما أن تترك الأخرى وحيدة في عتمة القبر، لترسلا رسالة صامتة بأن “من عاشتا معاً.. ترحلان معاً”.
في دقائق معدودة، تحولت حياة أسرة كاملة إلى جحيم من الحزن، ويُتمت قلوب أطفال صغار فقدوا أمهاتهم في لمحة عين. وفور انتهاء الإجراءات القانونية واستخراج تصاريح الدفن، تسلمت العائلة المكلومة الجثمانين في كفن واحد، ليخرج مئات من أهالي مدينة رشيد في جنازة مهيبة، بكى فيها الشجر والحجر قبل البشر، وهم يشيعون الشقيقتين إلى مثواهما الأخير بمقابر العائلة وسط حالة عارمة من الصدمة والذهول.
أمام هذه الفاجعة التي تكررت في نفس التوقيت وبذات السبب (حوادث السير الراعنة)، كيف نرى خطورة “السرعة الجنونية” داخل المناطق السكنية في حصد أرواح الأبرياء، وماهو الإجراء الرادع الذي يمنع تكرار السيناريوهات المرعبة دي في شوارعنا؟
