تُقاس حيوية الأمم و مدى نضجها بقدرتها على مراجعة مفاهيمها التأسيسية كلما تصادمت معطيات الواقع السياسي مع تعقيدات الواقع المعيشي .
و اليوم يقف العقل العربي في قلب استحالة آنية ، استحالة تضع المواطن العربي في مواجهة قسرية و مأزق حاد يتفاضل فيه بين أمن القوت و بين حرية الصوت ، و هذه المفاضلة ( رغم لا منطقيتها ) هي تجسيد حي لأزمة العقد الاجتماعي في الفكر السياسي العربي المعاصر .
فقد اختلت معادلة الفلسفة الكلاسيكية لوجود الدولة ، و التي تقضي بتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم لصالح السلطة مقابل الحماية و التنمية ، و تحول المشهد في كثير من الأحيان إلى مقايضة صفرية حادة ، لسان حالها ” إما الأمان تحت سلطة مطلقة ، و إما فوضى عارمة يستخدم فيها السلاح .
تفكيك طلاسم المشهد : المشكلة و الحل
أولاً : تشخيص المشكلة .. المأزق بين منطق هوبز و فلسفة لوك :
لنفهم أبعاد هذا الخلل الهيكلي و الذي وقع فيه العقل السياسي العربي ، يتوجب العودة إلى الأصول النظرية في الفلسفة السياسية للعقد الاجتماعي :
١. منطق هوبز ( صنم التنين ) : بنيت هذه الفلسفة على الخوف الوجودي ، حيث أن الحالة الطبيعة عند هوبز تتجسد في أن البشرية قبل الدولة عاشت ” حرب الجميع ضد الجميع “. و لتجاوز هذه الفوضى ، كان و لابد ( طبقاً لرؤية هوبز ) من ضرورة التسليم المطلق لحاكم يقبض على زمام الأمور بلا منازع ، مقابل توفير الأمان ( الأمان على الحياة ، الوظائف ، الضمان الاجتماعي) ، لأن البديل سيكون الفوضى و الخراب الشامل .
٢. منطق لوك ( العقد المشروط ) : يرى أن الإنسان لم ينضم أصلاً إلى مجتمع الدولة ليتنازل عن حقوقه الأصيلة (الحياة، الحرية ، الملكية ) ، بل بالعكس الدولة جاءت لحماية تلك الحقوق و تعزيزها .
و عليه ، فإن مشروعية السلطة تظل مرتبطة بقدرتها على صيانة هذه الحقوق .
أذن .. أين يقع الواقع العربي اليوم ؟
المنطقة كلها عاشت لعقود طويلة تحت مظلة عقد ” هوبز ” ، بحيث تحتكر الدولة السلطة و السياسة في مقابل تقديم خدمات اجتماعية ( من تعليم ، وظائف ، معاشات ، صحة .. و غيرهم ) و ضمان أمن نسبي ( كل دولة و ما يتناسب مع سياستها الداخلية ) .
لكن مع تراجع الأداء الاقتصادي للدولة و انسداد المنافذ السياسية ، تحول هذا الاستقرار النسبي إلى جمود ، و هذا الجمود هو الذي أدى إلى الانفجر الذي شهدته المنطقة في ٢٠١١ .
فعندما غابت الأحزاب الحقيقية و المؤسسات المدنية الوسيطة و إنعدم الوعي بالتعددية ، أدى اهتزاز السلطة ( و تزامن ذلك مع تدخلات دولية و إقليمية كانت تنتظر هذه اللحظة ) إلى انزلاق بعض البلدان نحو الفوضى حد إنهيار الدولة بمفهومها الحديث .
و نتيجة لذلك ولد مواطن جديد يدعى ” هوبز ” مسكون بغريزة البقاء ، ذلك لأن المشهد الذي أنتجته ٢٠١١ ارتبط في وعيه بسيناريوهات الانهيار .
و هذه هي الأزمة .. فهو لم يقرأ المشهد بالكامل ، بكل ظروفه و معطياته ، هو لم يقرأ سوى النتائج فقط .
فلا يمكن لمجتمع حي أن يظل في جلباب هوبز الأبدي ، كما لا يمكنه أيضاً القفز إلى مثالية لوك بقفزة واحدة .
ثانياً : إعادة صياغة العقد الاجتماعي العربي و دور الفرد و المجتمع
إن الخروج من هذه المعادلة الصفرية يتطلب تحولاً جوهرياً في وعي المواطن و إدراكه لحقوقه و واجباته معاً .
فالعقد الاجتماعي و طبقاً لعلمي القانون العام و القانون الدستوري ، لم يُمنح أبداً كهدية من الأعلى ، بل أنه يُبنى بصبر و تدرج من القاعدة الشعبية عبر تظافر جهود الفرد و الجماعة .
و يتطلب بناء هذا العقد الاجتماعي الجديد العمل بالتوازي على مسارين أساسيين :
* مسار يركز على الفرد من خلال ترسيخ الوعي بالمواطنة ، و تفعيل التفكير النقدي ، و ممارسة المسؤولية اليومية .
* و مسار يركز على الجماعة عبر بناء المؤسسات المدنية الوسيطة ، و التي سيكون دورها نشر ثقافة التوافق و المساومة السياسية ، و تعزيز دعم الهوية الوطنية الجامعة لكل الفئات و الأطياف .
١. الفرد : من ” المواطن مستحق الرعاية ” إلى ” المواطن المسؤول “
يبدأ الإصلاح الحقيقي من البنية الذهنية للفرد ، فالتحول نحو دولة القانون و المؤسسات يتطلب مواطناً يدرك تماماً واجباته كما يدرك حقوقه :
* تجاوز وعي الخوف إلى وعي المواطنة : و ذلك بإدراك أن الحرية ليست نقيضاً للأمن ، بل هي الضمانة الوحيدة لاستدامة الأمن الحقيقي ، حرية مسؤولة و ليست حرية الفوضى .
من خلال تعزيز رفضه للفساد الصغير ، و احترام القانون ، و رفع وعيه لأهمية تطوير الذات ليصبح مواطن منتج و ليس مواطن ينتظر المنح و الإعانات .
* تفعيل التفكير النقدي : و هو ما سيحمي العقل العربي من الانجراف صوب الاستقطاب الأيديولوجي أو التيارات الراديكالية .
، مع تنمية القدرة على التمييز بين المصلحة الوطنية العليا و المصالح الفئوية الضيقة .
٢. دور الجماعة و المجتمع المدني في بناء الجسور :
تكمن هشاشة بعض المجتمعات عند الأزمات في عدم وجود المؤسسات الوسيطة ، أو وجودها و لكن بصورة هيكلية فقط . لذا فإنه يقع على عاتق الجماعات و منظمات المجتمع المدني و النخب أن تقوم بالأدوار التالية :
إحياء المجتمع المدني غير السياسي :
فقبل التنافس على السلطة يحتاج المجتمع إلى نقابات مستقلة ، جمعيات أهلية ، و مؤسسات خدمية .
هذه الكيانات هي الميدان الحقيقي للتدريب الفعلي على إدارة الخلاف الفكري و ذاتها التي تعمق التضامن الاجتماعي .
ترسيخ ثقافة التوافق و المساومة السياسية :
فعلى التيارات الفكرية و الحزبية التخلي عن تلك الذهنية المتبنية لفكر الإلغاء و الإقصاء ، حيث أن العقد الاجتماعي لا يُكتب بقلم طرف واحد ، بل بمرونة تتقبل الآخر و تؤمن بالمشاركة الوطنية للجميع .
تعزيز الهوية الوطنية الجامعة : صياغة هوية تجمع كافة أطياف المجتمع دون أي تمييز فئوي أو طائفي أو أي تمييز أخر ، بحيث يكون الانتماء للدولة و سيادة القانون هما المظلة الأساسية للجميع .
أخيراً ..
فإن العبور من ضبابية المشهد الراهن لا يتطلب البحث عن حلول سحرية، بل يستلزم إرادة حقيقية و نهج قائم على تدرج مؤسسي يمر عبر مراحل إنتقال مدروسة و مستدامة ، يكون أساسها دولة القانون و تعزيز العدالة للجميع .
و متى وجد المواطن قانوناً ناجزاً يعامله بالمساواة مع غيره من المواطنين ( مهما كان قدرهم الاجتماعي أو المادي أو السلطوي ) و يحمي كرامته و جهده ، سيقل خوفه تدريجياً من الفوضى، و تتسع بالتالي مساحة مشاركته و بنائه.
فالدولة ليست صنماً يعبد ، و لا عدواً يهدم ، بل هي كيان تنظيمي يصلحه وعي الفرد و يصون وجوده مواطنوه في المجتمع .
