في ذكرى نصر أكتوبر، وبينما كنت أتصفح صفحات كتيب «موسوعة اتكلمي» الذي يتحدث عن الملك أحمس الأول، لفت نظري معنى جعلني أتوقف عنده قليلًا…
كيف أن حكاية مصر مع الدفاع عن أرضها واستعادتها تتكرر عبر آلاف السنين، حتى وإن اختلف الزمان، والعدو، والسلاح؟
عاش أحمس الأول في زمن كانت فيه مصر تواجه احتلال الهكسوس، وخاض معارك لاستعادة البلاد وطردهم، ثم واصل القتال خارج حدود مصر حتى حاصر شاروهين.
وبعد آلاف السنين، وفي حرب أكتوبر 1973، كانت مصر أمام معركة مختلفة تمامًا، لكن الفكرة الأساسية ظلت حاضرة:
أرض احتُلّت… وشعب رفض أن يعتبر الأمر واقعًا دائمًا.
أكتوبر بالنسبة لنا ليس مجرد يوم في التقويم، ولا مجرد ذكرى لحرب انتهت؛ أكتوبر هو حكاية شعب تألم، وصبر، وخطط، واستعد، ثم خاض معركة استعادة الأرض.
ومن هنا، كان الربط بين أحمس وأكتوبر بالنسبة لي ليس تشابهًا في تفاصيل المعارك، وإنما تشابهًا في روح الإرادة المصرية.
واجه أحمس واقعًا صعبًا، لكنه لم يتعامل مع احتلال أرضه باعتباره قدرًا دائمًا.
ومصر بعد نكسة يونيو 1967 دخلت مرحلة طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة، والتخطيط، والاستعداد، حتى جاءت لحظة العبور في السادس من أكتوبر 1973.
في ذلك اليوم، عبرت القوات المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وبدأت واحدة من أبرز مراحل الحرب.
وكان عبور القناة نفسه تحديًا هائلًا؛ فالقوات المصرية واجهت الساتر الترابي والتحصينات والمياه، وتمكنت من فتح الثغرات باستخدام خراطيم المياه، وإنشاء الكباري لعبور القوات والمعدات.
لكن وراء كل هذه التفاصيل العسكرية كان هناك إنسان مصري.
جندي عبر القناة.
وضابط خطط.
ومهندس فتح الطريق.
وطبيب أنقذ مصابًا.
وأم وأب عاشا أصعب لحظات الانتظار.
ولهذا، عندما نقول نصر أكتوبر، فنحن لا نتحدث عن معركة عسكرية فقط؛ وإنما نتحدث عن الإعداد والتخطيط والعلم والتضحية والصبر.
ومن صفحات أحمس إلى صفحات أكتوبر، تظل الحكاية الأهم:
مصر قد تتعرض للمحن، لكنها لا تتخلى عن أرضها.
وفي «موسوعة اتكلمي»، أحاول أن أحكي هذه الحكايات حتى تعرف الأجيال الجديدة أن التاريخ ليس مجرد أسماء وتواريخ محفوظة…
التاريخ سلسلة من التجارب، وكل جيل يترك أثره في الفصل الذي يليه.
كان لأحمس فصله في تاريخ مصر.
وكتب أبطال أكتوبر فصلًا آخر.
والقاسم المشترك بينهم ليس السلاح ولا شكل المعركة…
وإنما الإنسان المصري عندما يقرر أن يستعيد حقه في أرضه.
أكتوبر ليس مجرد ذكرى من الماضي.
أكتوبر حكاية مصرية عن الإرادة.
حكاية جيش وشعب.
وحكاية أرض دافع عنها أبناؤها.
كل عام ومصر بخير،
وكل عام ونحن نتذكر أبطالنا،
وكل عام ونصر أكتوبر شاهد على تضحياتهم.
تحية لكل شهيد، ولكل مقاتل، ولكل بيت مصري دفع ثمن حريتنا وكرامتنا.
