
بقلم: رنيم علاء نور الدين
في البداية لم يكن في الأمر ما يثير القلق… مجرد غياب لسيدة مسنة، وإجابة جاهزة يرددها ابنها لكل من يسأل: “سافرت واتجوزت ومش عارف مكانها”.
لكن ما بدا في ظاهره قصة غياب عادية، تحوّل تدريجيًا إلى لغز ثقيل، تتراكم حوله الأسئلة يومًا بعد يوم دون إجابة واحدة تطمئن الأسرة.
السيدة، التي تبلغ من العمر 76 عامًا، اختفت فجأة من حياتها اليومية دون مقدمات واضحة. لا مكالمات، لا زيارات، ولا أي أثر يثبت أنها انتقلت بالفعل كما كان يُقال. ومع ذلك، ظل الابن متمسكًا برواية واحدة، يكررها بثبات مريب، كأنها حقيقة لا تقبل الشك.
مرّت الأسابيع ثقيلة على الأسرة. الشك بدأ يتسلل، والأسئلة تحولت إلى ضغط متواصل، لكن الإجابة لم تتغير. “سافرت واتجوزت”… جملة واحدة ظلت تغلق كل أبواب البحث.
حتى جاءت اللحظة التي لم تعد فيها الرواية كافية.
تحركات الأجهزة الأمنية قادت إلى فحص البلاغ بشكل أعمق، ومع دخول الشقة، لم يكن أحد يتوقع أن نقطة التحول ستبدأ من داخل المكان نفسه.
في صالة المنزل، وتحت طبقات من الرمال والأسمنت، كان هناك شكل غير مألوف. صندوق خشبي ضخم، مدمج داخل الأرضية وكأنه جزء من البنية الأصلية للشقة، لا يلفت الانتباه للوهلة الأولى.
لكن ما بدا “عاديًا” كان يخفي الحقيقة كاملة.
التحقيقات الأولية كشفت أن السيدة توفيت قبل نحو 4 أشهر، إلا أن ابنها، وهو سائق توك توك في الأربعين من عمره، أخفى وفاتها عن الجميع، واحتفظ بجثمانها داخل الشقة طوال تلك المدة، بينما استمرت الأسرة في البحث عنها خارج جدران المنزل.
وخلال تلك الأشهر، لم يتوقف عن تكرار روايته، بل كان يضيف إليها تفاصيل متغيرة لإبعاد الشبهات، بينما الحقيقة كانت ثابتة في مكان واحد: داخل شقته.
وبحسب ما توصلت إليه التحريات، فإن الدافع المادي كان حاضرًا بقوة، حيث استمر في صرف المعاش الشهري الخاص بوالدته وزوجها المتوفى، دون أن يلتفت إلى ما يمكن أن تتركه أفعاله من صدمة لاحقة.
هكذا انتهت قصة استمرت 4 أشهر بين الغياب والكذب… لتتحول إلى واحدة من أكثر الوقائع قسوة، حيث لم يكن الاختفاء هو المفاجأة، بل ما كان مخفيًا طوال الوقت داخل جدران بيت واحد.
لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد انكشاف كل شيء:
كم من الأسر قد تعيش قصصًا “مطمئنة ظاهريًا”… بينما الحقيقة تكون أقرب مما تتخيل؟




