حوار أحمد سالم
البرتغال تنقسم، وغرف الملابس لم تعد هادئة، بين تقديس أعمى لتاريخٍ مضى، وواقعٍ مرير يفرض نفسه على أرضية الملعب، تفجر الناقدة والمحللة البرتغالية البارزة إيناس أوليفيرا عبر جريدة “المصور” قنبلة مدوية حول الوضع الراهن لمنتخب “البرتغال”، في حوار اتسم بأعلى درجات الصراحة والشجاعة الفنية، لم تتردد أوليفيرا في كسر وتفكيك هالة كريستيانو رونالدو، مؤكدة أن سطوته الإعلامية أصبحت عبئاً ثقيلاً يكبّل جيلاً ذهبياً بأكمله، ومحملة المدير الفني والاتحاد مسؤولية التضحية بالألقاب الجماعية من أجل “برستيج” لاعب واحد، من قضية جواو نيفيز، إلى كواليس الأزمة المكتومة مع برونو فيرنانديز، وصولاً إلى المقارنة التاريخية المحرمة مع أوزيبيو وفيجو، إليكم تفاصيل الحوار الذي سيغير نظرتكم لمنتخب البرتغال.
إيناس، تصريحات جواو نيفيز الأخيرة بخصوص كريستيانو رونالدو أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي وأحدثت انقساماً حاداً في الشارع البرتغالي، كيف ترين هذا الجدل؟ هل ما زال رونالدو يمثل الحصانة المطلقة داخل المنتخب؟
بصراحة، ما يفعله الإعلام والجمهور من تقديس أعمى لرونالدو هو ما يضر بالمنتخب البرتغالي حالياً، تصريحات جواو نيفيز لم تأتِ من فراغ، فالجميع داخل المعسكر وخارجه يرى الحقيقة لكن القليل يملك الشجاعة لقولها : رونالدو الآن أصبح لاعباً عادياً تماماً، ولم يعد ذلك النجم الذي يصنع الفارق بمفرده، استمراره في اللعب كعنصر أساسي لا يعود لأسباب فنية داخل الملعب، بل لسطوته الإعلامية والتسويقية، الإصرار على مجاملته ومحاولة بناء الخطة حوله يعطل جيلاً كاملاً من المواهب الشابة القادرة على قيادة البرتغال بمرونة أكبر وبدون قيود ‘الرجل الواحد’.

هذا يقودنا إلى نقاش أعمق في البرتغال حول ‘الأعظم في التاريخ’ (GOAT)، تاريخياً، أين يقع رونالدو مقارنة بأساطير مثل أوزيبيو أو لويس فيجو؟
هناك مغالطة كبيرة في ترتيب أساطير البرتغال، رونالدو حقق أرقاماً قياسية فردية مذهلة، هذا لا ينكره أحد، لكن من حيث القيمة الفنية الخالصة والتأثير التاريخي، يأتي في مرتبة خلف أوزيبيو ولويس فيجو.
أوزيبيو هو الروح الحقيقية لكرة القدم البرتغالية، وفيجو هو من قاد الجيل الذهبي الذي وضعنا على الخريطة الحديثة بعقلية ومهارة فائقة. رونالدو ليس الرقم واحد في تاريخ البرتغال؛ هو هداف عظيم، نعم، لكن الأساطير الأولى للكرة البرتغالية هم أوزيبيو وفيجو، ثم يأتي رونالدو بعدهم. الأسطورة لا تُقاس فقط بعدد الأهداف بل بكيفية اللعب من أجل المجموعة.
بالحديث عن الأجواء داخل غرف الملابس والعلاقات بين اللاعبين، يلاحظ الجميع وجود جفاء أو نوع من ‘الكره’ المبطن من برونو فيرنانديز تجاه رونالدو، ما هو السبب الحقيقي وراء هذه العلاقة المتوترة حسب قراءتك؟
السبب واضح جداً للجميع، وهو ‘نرجسية رونالدو المفرطة’ التي ظهرت في أبشع صورها خلال مباراة الأوروغواي الشهيرة في كأس العالم، أي عقل يعقل أن يركض لاعب ويلف الملعب بأكمله لكي يثبت للمخرجين والحكام أن الكرة ‘لمست شعره’ وأنه هو من سجل الهدف، في حين أن الهدف سُجّل باسم زميله برونو؟ رونالدو أراد سرقة مجهود زميله علناً وأمام الكاميرات من أجل مجده الشخصي.
كيف يتوقع البعض أن تكون مشاعر برونو صافية تجاهه بعد هذه اللقطة، برونو فيرنانديز هو النجم الأبرز والمهندس الحقيقي للمنتخب البرتغالي صانعاً وحاسماً، ومن حقه أن ينال التقدير الكامل لا أن يُهمش لحساب لاعب أصبح عالة على المجموعة.
وأقولها بثقة : البرتغال ستحقق بطولة كأس العالم وتصل إلى المجد الحقيقي فقط بعد رحيل رونالدو، لأن غيابه سيحرر المنتخب من الأنانية وسيجعل المجموعة تلعب كجسد واحد بدلاً من خدمة لاعب واحد انتهى زمنه.
ولكن ألا ترين أن رونالدو، حتى وهو في هذا العمر، يملك خبرة “القائد” داخل الملعب التي لا غنى عنها في المواعيد الكبرى؟
القيادة ليست شارة تُرتدى على الذراع، بل هي احتواء للمجموعة وإيثار، ما نراه من رونالدو حالياً في المواعيد الكبرى ليس قيادة، بل هو ضغط نفسي هائل على زملائه، اللاعبون الشباب يترددون في اتخاذ القرار والتسديد ويفضلون التمرير له خوفاً من ردود أفعاله العصبية وإيماءات الإحباط التي يلوح بها بيديه عند كل كرة ضائعة.
القائد الحقيقي هو من يمنح الثقة لمن حوله، لا من يسحب منهم الأكسجين في الملعب ليتنفس هو بمفرده.
إذاً، من يتحمل المسؤولية الأكبر في استمرار هذا الوضع؟ هل هو المدير الفني للمنتخب الذي يخشى وضعه على دكة البدلاء، أم الاتحاد البرتغالي لأسباب تسويقية؟
المسؤولية مشتركة، ولكن المدرب يتحمل العبء الفني الأكبر، عندما تملك دكة بدلاء بها مواهب مرعبة تلعب في أقوى أندية أوروبا، وتصر على إشراك لاعب لا يقدّم أي أدوار دفاعية ولا يملك ريتم الضغط العالي الحديث، فأنت تظلم المنظومة كاملة.
للأسف، الخوف من ‘الهالة الإعلامية’ لرونالدو ومن جيوش مشجعيه على منصات التواصل الاجتماعي يجعل القرار الفني مكبلاً. البرتغال حالياً تضحي باللقب الجماعي من أجل الحفاظ على ‘برستيج’ لاعب واحد.

كلمة أخيرة للجمهور الذي يرى أن انتقاد رونالدو هو نوع من “نكران الجميل” لكل ما قدمه للكرة البرتغالية؟
التاريخ لا ينكره أحد، ونحن ممتنون لكل هدف ولكل بطولة ساهم فيها في الماضي، لكن كرة القدم تُلعَب بالحاضر والمستقبل، وليس بالذكريات، نكران الجميل الحقيقي هو أن نرى جيلاً برتغالياً ذهبياً يضيع ويُحرم من المجد والبطولات فقط لكي يستمر لاعب واحد في تحطيم أرقامه الشخصية، مصلحة البرتغال يجب أن تكون فوق مصلحة كريستيانو رونالدو، ونقطة ومن أول السطر.
