حوارات صحفية
أخر الأخبار

حين تصبح الرواية حياة.. لا مجرد حكاية “حوار خاص” لموقع المصور نيوز للكاتبة شاهيناز الفقى

 

حوار محمد أكسم

يتميز أسلوبها بالسلاسة والعمق ، حيث تمزج بين البساطة التي تصل إلى القارئ مباشرة، والثراء الفكري الذي يمنح النص أبعاداً متعددة, فضلاً عن انها تمتلك قدرة على بناء الشخصيات بشكل دقيق موضحة تناقضاتها، صراعاتها، وضعفها وقوتها، مما يجعل القارئ يتماهى معها ويشعر بأنها جزء من واقعه.

أما على مستوى الخط الدرامي، فتبرع شاهيناز الفقي في نسج حبكات متماسكة ومتصاعدة، تقوم على التوازن بين التشويق والعمق الإنساني، حيث تتطور الأحداث بشكل طبيعي دون افتعال، وتبقى المشاعر هي المحرك الأساسي لكل تفصيلة.

 ذكاؤها يظهر في قدرتها على إدارة الإيقاع السردي، والانتقال بين اللحظات بهدوء وثقة، مع الحفاظ على عنصر المفاجأة دون الإخلال بصدق التجربة.

شاهيناز الفقى كاتبة تدرك جيداً أن الأدب ليس مجرد حكاية، بل بناء متكامل من الإحساس والفكر، لذلك تأتي أعمالها كمرآة تعكس الإنسان في أصدق حالاته، وتؤكد أن وراء هذا القلم عقلاً واعياً، وقلباً نابضاً، وموهبة تعرف طريقها جيدا.

 

فى البداية نرحب بالأديبة الكبيرة صاحبة الإيقاع السردى المتميز الفريد الأستاذة شاهيناز الفقى أهلا بكم فى موقع جريدة المصور نيوز

 

القارئ يتسائل من هى الأديبة شاهيناز الفقى؟ 

– شاهيناز الفقي، سيدة مصرية تمتلك موهبة الكتابة، منحها الله القدرة على التقاط المشاهد والصور والمشاعر الإنسانية وتحويلها لنصوص أدبية، تبذل قصارى جهدها في أن تستفيد من هذه المنحة الربانية لخلق عالم أفضل وأجمل من خلال نصوصها الأدبية واهتمامها بالقضايا الإنسانية. 

 

كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟ وهل كانت الموهبة فطرية أم اكتسبتيها مع الوقت؟ 

– رحلتي مع الكتابة ليس لها نقطة بداية محددة يمكن أن أشير إليها وأعتقد أنه لا يوجد كاتب يستطيع أن يحدد متى بدأت رحلته مع الكتابة، لأني أظن ان الكتابة هي موهبة تولد مع الإنسان، ولكن يمكن القول أن هناك عوامل تدفع الإنسان لأن يتعرف على موهبته ويمارسها،ربما كان أحد هذه العوامل هي حكايات ما قبل النوم التي كانت تحكيها لي والدتي مما أشعل خيالي وقتها ودفعني لكتابة قصص بسيطة وربما حصة المكتبة في المدرسة وقد يكون اطلاعي في سن مبكرة على أعمال الأدباء الكبار أو رغبتي في التعبير عن نفسي، في النهاية الموهبة هي هبة ربانية ويولد بها الإنسان ولكن الاعتناء بها وتغذيتها والمثابرة من أجلها هو ما يظهرها للنور ويجعلها تنمو وتثمر. 

 

هل تتذكرين أول نص كتبتيه؟ وماذا كان شعورك وقتها؟

أتذكر أول نص نشرته في كتاب ورقي وهو رواية سعيدة ملحمة العشق والحرية وهي رواية تاريخية تحكي عن قضية العبودية من خلال جارية تسافر في رحلة شاقة من جنوب نهر الكونغو حتى القاهرة في إمبابة بعد أن أسرها أحد تجار العبيد، وهذه الرحلة في قافلة تضم عددا من الأشخاص المختلفين في جنسهم وأعراقهم وديانتهم وميولهم وأحلامهم، وتعتبر الرحلة بالنسبة لأبطال الرواية هي رحلة نحو التحرر من قيود النفس وعبودية الشهوات بمختلف أنواعها ودرجاتها، قصة تحمل زخمًا إنسانيًا ومشاعر متناقضة وشخصيات متفرقة وازدواجية سياسية.

 وحين نُشرت هذه الرواية ووجدتُ ما سطرته بين دفتي كتاب، كانت سعادتي بالغة وقرأت الرواية أكثر من مرة وبكيت مع أبطالها، وتحمست للبطلة “سعيدة” وشعرت أن للورق ملمس ورائحة وعبير مختلف عن أي كتاب قرأته من قبل.

 من أول من قرأ لكِ؟ من كان له التأثير الأكبر في تشكيل وعيك الأدبي؟

أول من قرأ لي هم إخوتي وأبنائي وكان رأيهم وسيظل بمثابة قنديل استرشد به في دهاليز الكتابة والأفكار، أما تشكيل وعيي الأدبي فهو أمر صعب حصره في شخص أو شيءلأن كل حرف قرأته لأديب من الأدباء سواء مصري أو غربي وكل برنامج إذاعي سمعته او لقاء تلفزيوني شاهدته وكل بلد زرته وكل عمل فني استمتعت به كل ذلك ساهم في تشكيل وعيي الأدبي. 

 

 ما القضايا التي تحرصين دائما على طرحها في أعمالك؟ 

احرص دائما على طرح القضايا الإنسانية بصفة عامة التي تمس جوهر الإنسان رغم أنها قد تكون مغلفة بقضايا يومية أو مشكلات مجتمعية لكن في النهاية الإنسان هو شغلي الشاغل والنفس الإنسانية بقوتها وضعفها هي العمود الفقري لأعمالي الأدبية.

 

ماالذى تمثله لكى الكتابة على المستوى الشخصي؟ 

الكتابة بالنسبة لي هي العلاج النفسي المجاني، وهي واحة للفضفضة وصديق مخلص تستطيع أن تدفن أسرارك في بئره وأنت مطمئن.

 

من أين تستلهمين أفكارك للنصوص الأدبية؟ 

لا اعرف إن كنت استلهمها أو إنها تطاردني لأكتبها، لأني حتى الآن وبعد الأعمال الأدبية المتنوعة التي كتبتها في مختلف فنون الكتابة لا أتذكر انني خططت لكتابة فكرة معينة، أو جلست وفي نيتي أن اكتب عن موضوع معين لكن عادة الفكرة تظهر من العدم وتطاردني وتلح على عقلي وتصر أن أسطرها وأهبها قبلة الحياة على الورق فأفعل مرغمة ومستمتعة ومندهشة من سطوة الأفكار على عقلي، حتى أنها أحيانا توجهني لطبيعة العمل الذي أكتبه فتظهر مرة في صورة تاريخية ومرة في صورة رعب أو فانتازيا، مرة رواية وأخرى قصة قصيرة و أنا في تمام الاستسلام لها.

 

هل لديك طقوس معينة قبل البدأ فى كتابة عمل جديد؟

ليس لدي طقوس سوى أن أكون وحدي في مكان هادىء، فأنا أعتبر الوقت الذي التقي فيه بشخصيات أعمالي لتحديد مصائرهم وكتابة أقدارهم هي لحظات سرية ومقدسة. 

 

 القارئ يتسائل كيف تتعامل شاهيناز الفقى مع فترة البلوك أو عدم الإلهام؟ 

أنا لا أعمل بوظيفة كاتبة، حينما لا يكون هناك فكرة معينة تلح لكتابتها لا أشغل ذهني بالإلهام أو غيره ، أقضي الوقت في القراءة ومشاهدة الاعمال الدرامية سواء مسلسلات أو أفلام، أسافر لأماكن جديدة واتأمل الطبيعة والجمال في خلق الله.

كيف ترين وضع الأدب في مصر حاليا؟ هل وسائل التواصل الاجتماعي أثرت على قيمة الأدب؟ 

وضع الأدب حاليًا يحتاج إلى تنظيم، وسائل التواصل لها جانب إيجابي أنها ساعدت الكثيرين على إبراز مواهبهم الإبداعية ولها جانب سلبي أنها اعطت لكل شخص الحق في أن يظن نفسه بناءً على عدد الإعجابات أو التعليقات أنه موهوب ومبدع رغم ضعف ما يكتبه في معظم الأحيان.

 

أقرب أعمالك إلى قلبك؟ ولماذا؟ 

أجيب عن هذا السؤال بالجملة الشهيرة إن كلهم أولادي وهذه حقيقة لا خلاف عليها لأن كل عمل أضع فيه جزء من روحي. 

 

هناك عمل تتمنين إعادة كتابته بشكل مختلف؟ 

كل الأعمال حين اقرأها اليوم اتمنى أن أعيد كتابتها ليس لأن العمل غير جيد أو غير مكتمل ولكن لأن الإنسان يتغير في كل وقت مع تجدد المواقف ووتبدل القناعات وتتغير رؤيته للحياة والناس والقضايا وبالتالي الرغبة في إعادة كتابة الأعمال لا تتوقف عندي طالما الزمن يسير ويتحرك.

 

هل تفكرين في خوض تجارب جديدة مثل السيناريو أو المسرح؟ 

أنا درست الكتابة للمسرح مع الكاتب الكبير السيد حافظ، ولكني وجدت الكتابة للمسرح صعبة ولا تحقق لي المتعة التي استخلصها من كتابة الرواية والقصة.

 أما بالنسبة للسيناريو فأنا درست السيناريو في الأكاديمية الامريكية للفنون والابداع وهي أكاديمية معتمدة وتخرج منها الكاتب أحمد مراد والكاتب عمر طاهر، وكذلك درست في ورشة للسيناريو مع دكتور كريم بهاء وهو أستاذ بمعهد سينما ودرست أيضًا في دورة للسيناريو نظمتها شعبة السيناريو باتحاد الكتاب، وكتبت سيناريوهات بالفعل وفي انتظار الفرصة المناسبة.

 

عندما تشعرين بالضعف أحيانا، هل تلجئين إلى الورق ليحتويك؟ حدثينا عن موقف إنساني جعل كلماتك أكثر جرأة؟ 

الكتابة هي سلاح يمنح القوة في أوقات الضعف، فما نجبن عن قوله نكتبه بشجاعة، وما نخجل من الكلام عنه نبوح به للورق بكل حرية، ولطالما كانت كلماتي في أعمالي الأدبية أكثرجرأة مني في الواقع، ربما لأننا في مجتمع شرقي يفرض قيوده على المرأة وتساعدنا الكتابة على الاختباء خلف شخصيات نخلقها لتعبر عن ذواتنا ورغباتنا وأحلامنا التي تعترضها صدمات الواقع وقسوة التقاليد والحواجز المجتمعية.

كيف يتحول الحزن داخلك إلى نص، وهل تتركينه كما هو أم تعيدين تشكيله؟ هل بكيتى يوما بسبب فكرة أو جملة خرجت منك دون تخطيط؟ 

الحزن يتحول لنص وكذلك الفرح والحيرة والدهشة وكل المعاني الإنسانية وكثيرًا ما بكيت مع أبطالي وضحكت معهم.

 

ما أكثر شعور تخافين أن تفقديه لأنه يغذي إبداعك؟ 

أخاف أن أفقد شعور السكينة الداخلية، لأن السكينة تمنح الإنسان الحكمة والقدرة على الفهم والحكم الصائب على الأمور وبدونها يتحول الأمر لنوع من الفوضى والعشوائية التي تنتج إبداعًا مشوهًا.

 

هل تشعرين أحيانًا أن القارئ يفهمك أكثر من أقرب الناس إليك؟ 

الأهم بالنسبة لي أن القارىء يفهم العمل، يتوحد مع الشخصيات، يحبها أو يكرهها، يتفق أو يختلف معها، وأبقى أنا في الظل لان الشخصات في أعمالي لا تمثلني في معظم الوقت إلا في لمحات بسيطة، و أعتقد أني لا أهم القارىء بقدر أبطال رواياتي.

 

ما الجملة التي كتبتيها وشعرتى أنها تمثلك بالكامل دون تزييف؟ 

مقدمة لرواية “يا شمس أيوب” وهي رواية قريبة إلى قلبي وعقلي وحصلت على جائزة إحسان عبد القدوس أفضل رواية عام 2020 والجملة تقول ” في مواسم الزيف تتساقط أحلامنا كأوراق الشجر تنثرها رياح اليأس في كل اتجاه، قد تورق الأشجار في فصول أخرى أما الحلم الذي يسقط منا فلا يعود أبدًا”

 

لو كان بإمكانك العيش داخل قصة من قصصك، أيها تختارين ولماذا؟

لا أحب أن أعيش في أي قصة أو رواية من تأليفي لأن حياة أبطالي فيها معاناة وصعاب ربما لا أتحملها ولا أستطيع التعايش معها.. ومثال على ذلك رواية لي بعنوان حتما سوف يأتي كان البطل يمر بمحنة صحية شديدة جعلته يفكر في ماضيه وأفعاله ليكتشف أنه لم يكن الشخص الذي يظنه، والرواية التي قبلها مذكرات نزيل جهنم شخص قضى نصف عمره في مصحة نفسية ويرى هلاوس وضلالات، أما أحدث أعمالي فهي رواية جريمة في بيت الرب وبطل العمل شاهد على جريمة تاريخية تم تزييف الوقائع بها وظلم برىء ومحاكمته، وغيرها من أعمال روائية وقصصية أبطالها تعرضوا لمحن تجعلني أردد دائمًا الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به أبطال قصصي ورواياتي.

 

حدثينا عن الأشياء البسيطة التي تمنحك السلام؟ وفي لحظة صادقة تماماً، ماذا تقول شاهيناز الفقي لنفسها؟ 

عادة لا اشعر بالسلام إلا من خلال الأشياء البسيطة، أميل للبساطة في كل شيء، فأنا شخصية غير اجتماعية، لا أحب الصخب أو زحام العلاقات، أجد السلام في علاقتي بالطبيعة و أسعد الأوقات بالنسبة لي وأكثرها سلامًا هي لحظات أنفرد فيها بنفسي أمام البحر، او عند سماع موسيقى أحبها، أو في علاقتي بالحيوانات الأليفة والطيور، ومن الممكن أن أقضي وقتا في تأمل عصفور يغرد على شجرة أمام شرفتي أو مراقبة قط صغير يلعب مع إخوته، وأجد في ذلك متعة كبيرة، وتزخر أعمالي الروائية بمثل هذه اللمحات البسيطة خاصة في رواية سنوات التيه التي اهتممت فيها بتوثيق أهم الأماكن والأحداث في مصر في حقبة التسعينات وخاصة العلاقات الاجتماعية التي نفتقدها اليوم،ولحسن الحظ تم تحويل هذه الرواية لعمل درامي مسلسل عشر حلقات بعنوان الذنب من بطولة هاني سلامة ودرة وماجد المصري وفي انتظار عرضه قريبًا. 

أقول لنفسي إن بقدر ما كانت رحلة الحياة صعبة وبها الكثير من الألم لكنكِ بفضل الله أظهرتِ شجاعة وقوة يحسدكِ عليها الأخرون فليكن شعورك الدائم هو الامتنان والفخر.

 

ما الرسالة التي تودين توجيهها لمتابعينك و للجيل الجديد من الكُتاب؟

-المثابرة والصبر وحسن الظن بالله هم أدوات النجاح في الحياة بصفة عامة وفي الكتابة بصفة خاصة، وأقول للجيل الجديد من الكُتاب إن النص الصادق يخلد كاتبه فالزم الصدق في الكتابة واصنع لنفسك تاريخًا أدبيًا. 

 

وفى النهاية نشكر الأديبة الكبيرة شاهيناز الفقى على هذا الحوار الأكثر من رائع متمنيين لها مزيد من التقدم والنجاح

وتبقى شاهيناز الفقي نموذجا للأديب الذي يكتب بوعيه وقلبه معا، ويؤمن أن الكلمة الصادقة قادرة على البقاء، وأن الأدب الحقيقي هو ما يلامس الإنسان في أعمق نقاطه وهنا تحديدا تكمن قوة حضورها وتميز تجربتها.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى