بقلم: نانسي شاكر
لطالما راودني هذا التساؤل: لماذا نتعامل أحياناً بجفاء مع أقرب الناس إلى قلوبنا؟ كان يلفت انتباهي دائماً أسلوب تعامل الأفراد داخل دوائرهم الحميمة، خصوصاً في غياب أي طرف ثالث. كنت ألاحظ زوجاً يتحدث إلى زوجته ببرود، أو أباً يبدو قاسياً مع ابنته، أو شاباً يخاطب والدته بفتور. ولم يخطر ببالي يوماً أن هذا الجفاء يعكس حقيقة مشاعرهم، بل كنت على يقين بأن في داخلهم حباً عميقاً ودفئاً صادقاً تجاه هؤلاء الأشخاص. ومع ذلك، ظل السؤال قائماً: ما الذي يدفع إنساناً مُحباً إلى أن يبدو بهذا القدر من الجفاف مع من يحب؟ حين كنت أطرح هذا التساؤل، كان يُقابل غالباً بالاستغراب أو الرفض، ويُبرر الأمر ببساطة بأنه “اعتياد” لا أكثر. لكنني كنت أشعر بمسؤولية أن ألفت الانتباه إلى ما وراء هذا الاعتياد؛ إلى تلك الفكرة الخطيرة التي تتسلل دون وعي: أن وجود الطرف الآخر أصبح من “المسلّمات”، وأنه باق مهما حدث، وسيستمر في العطاء والحضور دون انقطاع.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فعندما يكون الشخص حاضراً دائماً في حياتنا، يتراجع إحساسنا بقيمته. ليس لأن قيمته تقل، بل لأن العقل يتوقف عن الانتباه لما هو دائم. كشيء جميل نراه كل يوم، حتى نعتاد عليه فلا نعود نراه حقاً. إن التعامل مع وجود إنسان في حياتنا باعتباره أمراً مضموناً هو خطأ كبير، وربما لا يُغتفر. فالعلاقات، مهما بلغت قوتها أو طال عمرها، تحتاج إلى رعاية مستمرة وتذكير دائم بالمودة، وإلا تآكلت بهدوء حتى تتلاشى دون أن نشعر.
والمفارقة المؤلمة – أو ربما المضحكة – أن شعور الأمان قد يجعل الإنسان أقل حرصاً في التعبير عن مشاعره. مع الغرباء نحرص على اللطف واللباقة، أما مع الأقربين فنظن أننا لسنا بحاجة إلى كل هذا الجهد، لأنهم ببساطة لن يرحلوا. ولا أنكر أن بعض الناس نشأوا على أن الحب لا يُقال، بل يُفهم ضمنياً؛ فيظهر في صورة التزام أو مسؤولية، دون دفء لفظي أو عاطفي. لكن، ورغم تفهمي لهذا النمط، إلا أنه يظل قاصراً، ومؤلمًا في كثير من الأحيان. ورغم كل ذلك، كنت كثيراً ما أُقابل برفض هذا الطرح، وكأن الاعتراف به يهدد صورة العلاقة أو يزعزع شعور الأمان فيها. فكنت أتراجع في صمت، وأختار السكوت.
لكنني اليوم، من خلال هذه الخاطرة، أدعو كل من يقرأها – رجلاً كان أو امرأة، شاباً أو شيخاً، أعزباً أو متزوجاً – أن يعيد النظر في هذا النمط من التعامل. أن يمنح نفسه لحظة صدق، ويسأل ذاته: هل يستحق من أحب هذا الجفاء؟ فإن كانت الإجابة ب”لا”، فربما حان وقت المراجعة. الآن، لا لاحقًا. فالقلوب، كالأزهار، إن تُركت بلا سُقيا، ذبلت، ثم رحلت.
