حوارات صحفية
أخر الأخبار

أميرة ريان لـ المصور : إغلاق الأقصى “جريمة”.. ومهرجانات العالم وقت مأساتنا “نقص إنسانية”

 

حوار أحمد سالم 

 

في ملاعب كرة القدم، تُحسم المباريات بصافرة الحكم، لكن في حياة أميرة ريان، كانت “صافرة الواقع” هي الأقسى، هي لم تكن مجرد لاعبة عادية، بل كانت سفيرة للكرة الفلسطينية، تحلم ببريق “سانتياغو برنابيو” وقميص ريال مدريد وهي تخوض غمار الاحتراف في أوروبا لثلاث سنوات.

 

​لكن، وبلمح البصر، تحولت “الساحرة المستديرة” من حلم يداعب الخيال إلى تضحية تُقدم على مذبح الواجب، أمام دموع القهر في عين والدها، وعجز الصغار أمام شبح المجاعة الذي ينهش غزة، لم تتردد أميرة؛ خلعت حذاء الاحتراف، وودعت مقاعد الجامعة، لتمسك بزمام “معركة البقاء” وتعمل سنداً لعائلتها في زمن عزّ فيه السند.

 

​حقيبتها الرياضية التي كانت تحمل أحلامها يوماً، باتت اليوم تحمل وصيتها وصوراً لخيام النزوح، لتذكرها كل صباح لماذا اختارت أن تكون “لاعبة” في فريق الصمود الشعبي بدلاً من ملاعب القارة العجوز.

 

​في هذا الحوار، نلتقي بـ أميرة ريان، التي تثبت أن “البنت الغزاوية” هي الرقم الصعب في معادلة الانكسار، وأن التنازل عن الحلم الشخصي من أجل “لقمة عيش” كريمة للأهل هو أسمى أنواع الانتصارات التي لا تسجلها لوحات النتائج، بل تسجلها ذاكرة الوطن.

 

أميرة، من ملاعب الاحتراف في أوروبا إلى واقع غزة المرير.. كيف تصفين تلك اللحظة التي خلعتِ فيها حذاء كرة القدم لتواجهي تحديات من نوع آخر؟

الحمد لله على كل حال، واقع غزة المرير لعب دوراً كبيراً بالاعتزال مبكراً جداً وحصراً في أيام كانت المجاعة فيها لا ترحم كبيراً ولا صغيراً عائلتنا في غزة عانت من المجاعة مثل غيرها، والقهر والحزن في وجه أبي جعلني أتخذ قراراً معارضاً لحلمي الكبير الذي أجتهد له وضحيت منذ صغري، اللحظة التي اتخذت بها القرار بخلع الحذاء كانت عصيبة جداً، وشعرت بالحزن والقهر لأيام وأسابيع، لكن أجبرت نفسي على أن أتقبل هذه التضحية من أجل أطفال غزة.

 

كنتِ سفيرة للكرة الفلسطينية في الملاعب الأوروبية، ما هو الحلم الذي كان يراودك هناك، وكيف تحول هذا الطموح بفعل الظروف العائلية والواقع العام؟

 

في أول يوم قمت بالتوقيع فيه على عقدي الاحترافي في ملاعب أوروبا، كانت الابتسامة ودمعة الفرحة لا تفارقني طوال ذلك اليوم، وكان في بالي 3 أهداف في ذلك اليوم؛ الهدف الأول أن أرفع اسم بلدي وأن أكون مصدر سعادة لشعبي وأن أمثل منتخب بلدي في المستقبل، الهدف الثاني كان تحقيق الحلم باللعب في فريق ريال مدريد للنساء، الهدف الثالث أن أكون “أنا ضد أنا” أي أن تكون أميرة غداً أفضل من أميرة اليوم.

 

هل ما زالت “الساحرة المستديرة” تداعب خيالك وسط الركام، أم أن قسوة الواقع جعلت لقمة العيش هي الهدف الوحيد الآن؟

 

كرة القدم لم تغادر قلبي، وأحاول أن أعوض اللعب بالمشاهدة وتحليل المباريات، لا رجعة في القرار الذي اتخذته وأحسبه تضحية في سبيل الله ثم وطني وشعبي الصابر المحزون.

 

في كرة القدم هناك “وقت بدل ضائع”، هل تشعرين أن حياة جيل كامل في غزة ضاعت في هذا الوقت؟ ومن هو “الحكم” الذي تنتظرين منه صافرة العدالة؟

 

جيل كامل في غزة كانت أحلامه بسيطة وهي العيش ثم تحقيق أحلامه كأي إنسان آخر، يوجد أحلام كثيرة تدمرت مع صاحبها الذي فقد أحد والديه أو إخوته أو بيته. نحن ننتظر النصر من الله ونؤمن بالنصر القريب بإذن الله، لذلك لا أرى حكماً غير الله؛ هو من سيأتي بالعدالة لناس تدمرت أحلامها ظلماً.

 

من المؤكد أن حقيبتك الرياضية كانت تضم أحلامك.. اليوم، ماذا تضم حقيبة أميرة وهي تذهب لعملها؟ وما هو الشيء الذي ترفضين التخلي عنه من ذكرياتك الرياضية؟

 

أنا أفكر دائماً بالتضحية كي أساعد شعبي في غزة، الحقيبة التي كان بداخلها حذاء أميرة أصبحت فارغة وتم استبدالها بحقيبة تحمل وصية من أميرة بحال حدث لها شيء، وتحمل صوراً لغزة وخيامها كي لا تستسلم أميرة للواقع المرير والتضحية التي فعلتها لأجل مساعدة شعبها في غزة.

 

في غزة، لا يوجد “عمل سهل”.. ما هي الصعوبات التي تواجهها أميرة يومياً لتثبت أن البنت الغزاوية هي “سند” حقيقي في وقت الأزمات؟

 

الصعوبات التي أواجهها هي المسافة إلى العمل والساعات الكثيرة خارج المنزل أثناء العمل، المثال الحقيقي للبنت الغزاوية هي البنت الصابرة والمضحية في سبيل الله من أجل مساعدة شعبها ولو بالقليل؛ أثناء المجاعة سمعت عن نساء يذهبن مسافات طويلة تصل إلى عشرات الكيلومترات من أجل كيس طحين.

 

القيود التي يفرضها الاحتلال لا تستهدف الحجر فقط، بل تستهدف “الأمل”.. كيف تعيش أميرة وأقرانها في ظل سلب أبسط الحقوق الإنسانية والرياضية؟

 

أعيش كما يعيش أقربائي في غزة، نتقبل مُرَّ واقعنا ونحاول أن نصبر على هذا الواقع المرير قدر الإمكان.

 

يتحدث العالم عن الأرقام، لكننا نريد الحديث عن الإنسان.. كيف تبدأ رحلة البحث عن “الأمل” في صباح يوم غزّي تملؤه القيود والدمار؟

 

بالنسبة لي أبدأ رحلة البحث عن الأمل بالإيمان بالله بأنه سيعوضنا هذا الواقع الذي فُرض علينا حتى يكون امتحاناً للمسلم المؤمن الصبور، ثم أملي يكتمل بمساعدة شعبي وهذا يشجعني دائماً.

رسالتكِ لكل بنت فلسطينية مكافحة ترى أحلامها تتبخر أمام عينيها بفعل الحرب والقيود: من أين تستمدين القوة للاستمرار؟

 

رسالتي لبنات بلدي أن يتحلوا بالصبر على ما يحدث وسيحدث لهم، نحن شعب سنتعرض للظلم كل يوم طالما استمر هذا المحتل باحتلال بلادنا، لذلك يجب أن نهزم المحتل بالصبر وعدم الانكسار أبداً.

 

كيف أثر الحصار والدمار الذي يشنه الاحتلال على مسيرة الشباب في القطاع؟ هل قتلوا مسيرة الشباب أم زادوها إصراراً وعزيمة ضد هذا الكيان؟

 

لنكون صريحين، ما حدث وما زال يحدث في غزة أثر بشكل كبير على مسيرة الشباب، أنا شخصياً رأيت شباباً يتمتعون بموهبة ممتازة في كرة القدم وأتابع يومياتهم في الصالات الرياضية والملاعب الصغيرة المدمرة؛ هذا الإصرار يكسر المحتل الذي حاول كسر أصغر أحلام شبابنا، لكن صبرهم جعل المحتل هو المكسور.

 

بينما نراكِ تكافحين من أجل عائلتك، هناك وجع آخر يربط غزة بالقدس.. كيف تنظرين إلى إغلاق ساحات المسجد الأقصى بوجه المصلين بينما تُفتح ساحات العالم لمهرجانات لا تلتفت لمأساتكم؟

 

إغلاق المسجد الأقصى في أفضل أشهر السنة جريمة واستفزاز للمقاومة، وعندما ترد يكون الرد حجة لهم بإبعاد المسلمين الفلسطينيين عن أقرب مكان لقلبهم، المهرجانات التي تُقام في هذه الأيام التي يُعاني فيها الفلسطينيون وأهلنا في السودان تُنقص من إنسانية من يُشرف عليها.

 

يقولون إن غزة “مقبرة الأحلام”، لكنكِ اخترتِ أن تكوني “محراباً للصمود”.. كيف توازنين بين حزنك الشخصي على حلمك المفقود وبين واجبك الوطني تجاه أهلك وقضيتك؟

 

غزة هي المفتاح لأكبر حلم للمسلم المؤمن وهو الحلم بالجنة، أرى الكثير ممن تحطمت أحلامهم البسيطة يحفظون القرآن الكريم بين الأنقاض وفي الخيام، وأراهم صابرين على واقعهم المرير وأراهم ملتزمين جداً، وهذا سيحقق الحلم الأكبر لكل إنسان في غزة إن شاء الله، أما عني شخصياً، فإني أستمد طاقتي بما أفعل من شعبي في غزة وأطلب من الله أن يثبتني على قراري؛ الإنسانية بالنسبة لي أهم من حلمي بكرة القدم، ثم لم يهن عليَّ أن أرى أبي يعمل ويتحمل ضغوطاً كثيرة في حياته ويكتم القهر والحزن ثم لا أفعل شيئاً حيال ذلك، أرى قراري بمكانه الحمد لله، وسعادة والدي تُسعدني أيضاً وتخفف عني حزني على حلمي الذي ضحيت به لأجل شعبي.

 

لو قُدّر لكِ العودة لمنصات التتويج في أوروبا غداً، ماذا ستقولين للعالم عن “أحلام غزة” التي تُدفن تحت الأنقاض؟

 

لو قُدّر لي وتواجدت في قاعة لتسليم الجوائز بوجود شخصيات مشهورة ومعروفة للعالم مثل كريستيانو وميسي، لكنت تكلمت بحرقة عما يعيشه أبناء غزتي، ثم تجرأت وتكلمت لهذه الشخصيات وعاتبتهم على خذلانهم للإنسانية ولن أخاف لومة لائم.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى