
كتب: هاني سليم
في كثير من الأحيان، يعرف الإنسان في أعماقه أن شخصًا معينًا ليس مناسبًا له، وأن العلاقة معه كانت متعبة أو مؤذية أو حتى مستحيلة، ومع ذلك يبقى الحنين حاضرًا بشكل غريب.
قد تنتهي العلاقة، وقد تختفي الرسائل والصور، لكن الشعور لا يختفي بسهولة. وهنا يبدأ السؤال الذي حيّر الكثيرين:
لماذا نشتاق لأشخاص نعرف أنهم ليسوا مناسبين لنا؟
الحقيقة أن الاشتياق لا يرتبط دائمًا بالمنطق، بل بالمشاعر والتجارب النفسية العميقة التي يتركها الأشخاص داخلنا.
نحن لا نشتاق دائمًا للشخص… بل للشعور
أحيانًا لا يكون الحنين موجهًا للشخص نفسه، بل لما كنا نشعر به معه.
قد نفتقد الاهتمام، أو الأمان، أو الإحساس بأن هناك من يفهمنا ويمنحنا قيمة خاصة.
العقل يتذكر اللحظات الجميلة أكثر مما يتذكر الألم، لذلك يميل الإنسان إلى تلميع الذكريات بمرور الوقت.
فتبدو العلاقة أجمل مما كانت عليه في الواقع، ويبدأ الحنين في تضخيم المشاعر الإيجابية وتجاهل الأسباب التي جعلت العلاقة غير مناسبة من البداية.
التعلق العاطفي أقوى من المنطق
المشاعر لا تعمل دائمًا وفق القواعد العقلانية.
فالإنسان قد يعرف أن العلاقة تستنزفه نفسيًا، لكنه يبقى متعلقًا بها بسبب الاعتياد العاطفي.
عندما يرتبط شخص بآخر لفترة طويلة، يصبح وجوده جزءًا من الروتين النفسي اليومي.
صوته، رسائله، اهتمامه، وحتى تفاصيله الصغيرة تتحول إلى شيء مألوف. وعند الغياب، يشعر العقل وكأنه فقد جزءًا من استقراره، حتى لو كان ذلك الاستقرار مؤلمًا.
لهذا السبب، قد يشتاق الإنسان لمن أرهقه أكثر مما يشتاق لمن عامله بشكل صحي.
العقل يكره النهايات غير المكتملة
من أصعب الأمور على النفس البشرية العلاقات التي تنتهي دون إجابات واضحة.
عندما تبقى الأسئلة معلقة، يستمر العقل في التفكير ومحاولة الفهم:
• ماذا لو تصرفنا بطريقة مختلفة؟
• هل كان يمكن أن تنجح العلاقة؟
• لماذا تغيّر كل شيء فجأة؟
هذا النوع من النهايات يجعل الإنسان عالقًا بين الماضي والاحتمالات، فيتحول الاشتياق إلى محاولة داخلية لإكمال قصة لم تكتمل نفسيًا.
أحيانًا نشتاق لأننا نشعر بالوحدة
في لحظات الضعف أو الفراغ العاطفي، يعود العقل تلقائيًا إلى الأشخاص الذين منحونا يومًا شعورًا بالاهتمام، حتى لو كانوا غير مناسبين.
الوحدة تجعل الإنسان يحنّ لما هو مألوف، وليس لما هو صحيح بالضرورة.
ولهذا قد يعود البعض لعلاقات يعرفون جيدًا أنها لن تمنحهم السعادة الحقيقية، فقط هربًا من الشعور بالفراغ.
التعلق بالجروح النفسية
بعض العلاقات تترك أثرًا عميقًا لأنها لمست جروحًا قديمة داخل الإنسان، مثل:
• الخوف من الهجر
• الحاجة المستمرة للاهتمام
• نقص التقدير
• الشعور بعدم الكفاية
في هذه الحالة، يصبح التعلق بالشخص مرتبطًا بمحاولة نفسية غير واعية لتعويض شيء مفقود داخلنا، وليس حبًا حقيقيًا دائمًا.
ولهذا قد يجد الإنسان نفسه مشتاقًا لشخص كان يؤذيه، لأنه تعلّق بالشعور الذي كان يبحث عنه من خلاله.
لماذا يصعب النسيان؟
لأن المشاعر لا تختفي بقرار مفاجئ.
الإنسان لا ينسى دفعة واحدة، بل يتعافى تدريجيًا مع الوقت والفهم والنضج.
كل تجربة عاطفية تترك أثرًا ما، وبعض الأشخاص يتركون داخلنا نسخة مختلفة من أنفسنا، لذلك يصبح تجاوزهم رحلة لفهم الذات أكثر من مجرد نسيان شخص.
كيف نتجاوز هذا النوع من الاشتياق؟
التجاوز لا يعني إنكار المشاعر، بل فهمها بصدق.
من الطبيعي أن تشتاق، لكن الأهم أن تدرك أن الاشتياق لا يعني دائمًا أن العودة صحيحة.
أحيانًا يكون أفضل قرار في حياتك هو الابتعاد عن شخص تحبه، لأن الراحة النفسية أهم من التعلق المؤلم.
ومع الوقت، يبدأ الإنسان في رؤية العلاقة بشكل أوضح، لا كما كانت تبدو تحت تأثير المشاعر.
نشتاق أحيانًا لأشخاص نعرف أنهم ليسوا مناسبين لنا لأن القلب لا يفكر دائمًا بعقلانية.
نشتاق للذكريات، وللشعور، وللأمان المؤقت، وللأجزاء التي لمسها ذلك الشخص داخلنا.
لكن النضج الحقيقي يبدأ عندما يفهم الإنسان أن الحب وحده لا يكفي، وأن بعض الأشخاص قد يكونون قريبين من قلوبنا… لكنهم ليسوا مناسبين لحياتنا.




