دينا الروبى للمصور: أؤمن أن الفن رسالة إنسانية قادرة على إعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للجمال

حوار محمد أكسم
ليست كل فنانة تشكيلية قادرة على أن تترك أثراً من أول لقاء، لكن الفنانة دينا الروبي تمتلك ذلك الحضور الهادئ الذي يشبه اللوحات الراقية؛ حضور يعتمد على الذوق، والرقي، والعمق الإنساني والثقافي, فمنذ اللحظة الأولى تشعر أنك أمام شخصية مختلفة، امرأة تحمل في ملامحها هدوء الفن، وفي حديثها نعومة المثقف الحقيقي، وفي روحها قدراً نادراً من الجمال الداخلي.
دينا الروبي ليست مجرد فنانة ترسم بالألوان، بل حالة فنية وإنسانية خاصة، تعرف جيداً كيف تختار موضوعاتها بعناية شديدة، وكأنها تنتقي مشاعرها قبل أن تنتقي ألوانها.
لوحاتها تحمل حساً بصرياً راقياً، ووعياً جمالياً يجعل المتلقي يشعر أن كل لون وضع في مكانه بدقة عاشقة للفن والتفاصيل
ما يلفت الانتباه في أعمالها ليس فقط جمال التكوين أو انسجام الألوان، بل تلك الروح الهادئة التي تسكن اللوحة، وكأنها تهمس للعين والقلب معاً,فهى تمتلك ذوقاً فنياً رفيعاً ينعكس على اختياراتها، على أسلوبها، وحتى على حضورها الإنساني البسيط والأنيق في الوقت نفسه.
ورغم ما تملكه من موهبة وحضور وثقافة، تحتفظ دينا الروبي بتواضع نادر، يجعل الاقتراب منها مريحاً ودافئاً. تتحدث بهدوء الواثق، وتستمع برقي، وتحمل داخلها إنسانة شديدة الحساسية تجاه الجمال والناس والحياة.
في هذا الحوار نحاول الاقتراب أكثر من عالم دينا الروبي، ليس فقط كفنانة تشكيلية تمتلك تجربة بصرية مميزة، ولكن كإنسانة تحمل قلباً مليئاً بالمشاعر، ووعياً ثقافياً وإنسانياً ينعكس بصدق داخل كل لوحة ترسمها.
فى البداية نرحب بالفنانة التشكيلية دينا الروبى أهلا بكم في موقع جريدة المصور نيوز.
القارئ يتساءل من هي دينا الروبي بعيداً عن الأضواء والشهرة؟
أنا إنسانة بسيطة تؤمن بالجمال والإنسانية قبل أي شيء آخر. أحب العائلة، وأقدّر الصداقة الحقيقية، وأشعر بالامتنان لكل تجربة مررت بها في حياتي. بعيداً عن المعارض والفعاليات، أنا امرأة تبحث دائماً عن المعنى، وتحاول أن تترك أثراً طيباً أينما ذهبت.
متى اكتشفتِ شغفك بالفن التشكيلي لأول مرة؟
أعتقد أن الفن كان يسكنني منذ نعومة أظافري. اثناء زياراتي للمتاحف و قاعات العرض كنت أراقب التفاصيل الصغيرة من حولي بشغف كبير. لكن إدراكي الحقيقي بأن الفن سيكون جزءاً أساسياً من حياتي جاء لاحقاً عندما أدركت أنه ليس مجرد هواية، بل لغة أعبّر بها عن نفسي وعن رؤيتي للعالم.
من أكثر الشخصيات أو المدارس الفنية التي أثرت في تجربتك؟
تأثرت بكثير من الفنانين والمدارس الفنية، لكن أكثر ما أثر فيّ هو الفن الذي يحمل رسالة ويخاطب الروح. أحب الفنان الذي يجعلنا نفكر ونشعر في الوقت نفسه، بغض النظر عن المدرسة التي ينتمي إليها.

ما الرسالة التي تحاولين إيصالها من خلال لوحاتك؟
أحاول أن أخلق جسوراً بين الثقافات والإنسان والحضارات والتاريخ. أؤمن أن الفن لغة عالمية قادرة على التقريب بين الناس، وأن العمل الفني يمكن أن يفتح باباً للحوار والتأمل والتسامح.
هل تميل أعمالك إلى التعبير عن الواقع أم المشاعر الداخلية؟ وما أكثر موضوع يفرض نفسه دائماً على لوحاتك؟
أميل أكثر إلى المشاعر والأفكار الداخلية. الواقع بالنسبة لي مجرد نقطة انطلاق، أما العمل الفني فهو رحلة أعمق نحو المعنى. أكثر ما يتكرر في أعمالي هو البحث عن الهوية والانتماء والذاكرة الإنسانية.
كيف تختارين الألوان المستخدمة في أعمالك؟ وماذا يمثل لك اللون الأسود أو الأبيض أو الأحمر؟
الألوان تختار نفسها أحياناً. الأسود بالنسبة لي عمق وغموض وقوة. الأبيض مساحة للنور والبدايات الجديدة. أما الأحمر فهو الحياة والشغف والطاقة والنبض الإنساني.
هل السوشيال ميديا خدمت الفنان التشكيلي أم أضرت بقيمة الفن؟
فعلت الأمرين معاً. منحت الفنان فرصة للوصول إلى جمهور عالمي، لكنها أحياناً جعلت البعض يحكم على العمل بسرعة دون تأمل حقيقي. في النهاية تبقى قيمة العمل نفسه أقوى من أي منصة.
هل هناك لوحة قريبة جداً من قلبك؟ ولماذا؟
نعم، هناك أعمال أعتبرها أجزاء من حياتي أكثر من كونها لوحات. غالباً تلك التي ارتبطت بمرحلة بالنسبة لي مهمة أو حملت رسالة شخصية عميقة.

كيف تتعاملين مع النقد الفني؟
أرحب بالنقد الموضوعي لأنه يساعد الفنان على التطور. أما الأحكام السطحية فلا أسمح لها بأن تؤثر على إيماني بما أقدمه.
ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن اسمك بدأ يحقق حضوراً حقيقياً؟
لم يكن ذلك أبداً هدفاً لي، و لكن عندما بدأت أرى أعمالي تلامس أشخاصاً من ثقافات مختلفة حول العالم، وعندما أصبحت الدعوات والمعارض الدولية تأتي نتيجة لما أقدمه وليس فقط لما يقال عني.
هل تعتمدين أثناء الرسم على حالة نفسية معينة أو موسيقى خاصة؟
الموسيقى ترافقني كثيراً أثناء العمل. أحياناً تكون موسيقى هادئة وأحياناً مقطوعات كلاسيكية أو موسيقى عالمية. لكنها ليست شرطاً، فالحالة الداخلية هي العنصر الأهم.
كيف ترين العلاقة بين الفن والمرأة؟
تعتبر المرأة المصدر الاول للإلهام والقوة والإبداع. والفن منح المرأة مساحة للتعبير عن صوتها وتجاربها وأحلامها عبر العصور. و لكن مازلت أعتقد ان هناك مجال أوسع و أفق ابعد يمكن ان تُعطى بها المرأة مساحة اكبر للاعتراف بها و بفنها.
ما الذي تتمنين أن يشعر به الناس بعد مشاهدة أعمالك؟
أتمنى أن يتوقفوا للحظة ويتأملوا. أن يسمعوا النبض اللوحة و يشعروا بشيء ما، حتى لو كان مختلفاً من شخص لآخر. الأهم أن يخرجوا من التجربة وقد لامسهم العمل إنسانياً.

حدثينا عن أكثر الأشياء التي تلامس روحك وتجعلك تشعرين بالحنين؟
الذكريات العائلية، الأماكن التي عشت فيها، روائح الطفولة، وبعض اللحظات البسيطة التي لا تعود لكنها تبقى حاضرة في القلب.
هل ترين أن الفنان يولد موهوباً أم تصنعه التجربة؟
الموهبة بداية جميلة، لكن التجربة والعمل والانضباط هي ما يصنع الفنان الحقيقي.
ما أكثر شعور إنساني تحبين تجسيده فنياً؟
الأمل. لأنه الشعور الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار مهما كانت الظروف.
إلى أي مدى تؤثر الموسيقى أو القصائد الرقيقة على حالتك أثناء الرسم؟
تؤثر كثيراً لأنها تفتح أبواب الخيال والمشاعر، لكنها تظل محفزاً وليس مصدراً للفكرة نفسها.
حدثينا عن نوع الكتب أو الفنون التي غذّت ثقافتك وصقلت شخصيتك؟
أحب القراءة في التاريخ والحضارات والفلسفة والسير الذاتية، كما أستمتع بالأدب والشعر. أعتقد أن الفنان يجب أن يتغذى من كل أشكال المعرفة لا من الفن وحده.

ما أكثر صفة تحبينها في دينا فهمي الروبي؟
الإصرار. عندما أؤمن بفكرة أو حلم أبذل كل ما أستطيع لتحقيقه.
حين تجلسين وحدك بعيداً عن العالم ماذا يشغل قلب وعقل دينا الروبي؟
أفكر في المشاريع القادمة، وفي الأشخاص الذين أحبهم، وفي أثر ما أقدمه على الآخرين. وأحياناً أفكر فقط في الامتنان لكل ما منحته لي الحياة.
ما أكثر شيء تتمنين أن يبقى موجوداً في الناس رغم تغير الزمن؟
الإنسانية والرحمة والصدق.
كيف تنظرين إلى فكرة التسامح؟ وهل تستطيعين مسامحة من يؤذيك؟
أؤمن بالتسامح لأنه يحرر الإنسان من الأعباء، لكن التسامح لا يعني دائماً العودة إلى المكان نفسه أو منح الثقة نفسها.
هل ترين أن الإنسان الحقيقي يظهر في طريقة تعامله مع البسطاء؟
بكل تأكيد. طريقة تعامل الإنسان مع من لا يملك سلطة أو نفوذاً تكشف الكثير عن حقيقته.

ما أقرب الصفات إلى قلبك في الأشخاص؟
الصدق، والوفاء، والتواضع، والكرم الإنساني.
ما معنى الأمان بالنسبة لك؟
أن أكون بين أشخاص أحبهم وأثق بهم، وأن أشعر بالسلام الداخلي مهما كانت الظروف الخارجية.
هل هناك دعوة من القلب ما زلتِ تنتظرين تحقيقها؟
أدعو دائماً أن أترك أثراً جميلاً وأن أكون سبباً في فتح أبواب الخير والفرص للآخرين.
ما أكثر لحظة شعرتِ فيها بالامتنان للحياة؟
كل مرة أرى فيها ثمرة سنوات من العمل تتحقق، وكل مرة أشعر فيها بمحبة الناس الصادقة.
ما الذي يجعلك تشعرين بالسلام الحقيقي؟
الإيمان، والعائلة، والفن.
كيف تصفين علاقتك بعائلتك وأثرهم في تكوين شخصيتك؟
عائلتي كانت وما زالت مصدر الدعم والقيم والاتزان. كثير من شخصيتي وما أؤمن به اليوم يعود إليهم.

ما أكثر شيء تتمنين أن يتعلمه الناس من الفن؟
أن يروا العالم بعيون أكثر انفتاحاً وتسامحاً، وأن يدركوا أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر ثراء لا سبباً للانقسام.
ما طموحاتك الفنية خلال الفترة المقبلة؟
الاستمرار في بناء جسور ثقافية من خلال الفن، وتوسيع حضور Art LINX Gallery دولياً، وتقديم مشاريع تحمل قيمة فنية وإنسانية حقيقية.
هل هناك مشروع أو معرض جديد تستعدين له؟
هناك دائماً مشاريع ومعارض قيد التحضير، وأحرص أن يكون كل مشروع خطوة جديدة تضيف شيئاً مختلفاً إلى مسيرتي الفنية والثقافية.
ماذا تقولين للشباب الذين يحلمون بدخول عالم الفن التشكيلي؟ ولمتابعيك من خلال موقع المصور نيوز؟
أقول لهم: آمنوا بموهبتكم، لكن لا تعتمدوا عليها وحدها. العمل الجاد والتعلم المستمر والصبر هي مفاتيح النجاح الحقيقية. أما لمتابعي المصور نيوز، فأشكرهم على اهتمامهم بالفن والثقافة، وأدعوهم دائماً إلى منح الفن مكاناً في حياتهم، لأنه ليس مجرد رفاهية، بل ضرورة إنسانية تجعل الحياة أكثر عمقاً وجمالاً.

وتبقى دينا الروبي واحدة من تلك الشخصيات النادرة التي لا تكتفي بصناعة الفن، بل تصنع حالة كاملة من الجمال والرقي والإنسانية, فخلف كل لوحة ترسمها، تقف امرأة تحمل حساً مرهفاً، وثقافة عميقة، وقلباً يؤمن بأن الفن رسالة إنسانية قادرة على التقريب بين البشر وإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للجمال
في حديثها كما في أعمالها، تبدو دينا الروبي هادئة كالموسيقى، دقيقة كقصيدة مكتوبة بعناية، وراقية كلوحة تعرف جيداً كيف تلامس الروح قبل العين.
ومع كل خطوة جديدة تثبت دينا الروبي أن الفن الحقيقي لا يرتبط بالشهرة وحدها، بل بالقدرة على ترك أثر جميل يبقى في الوجدان طويلًا, لذلك ستظل دينا الروبى واحدة من الأسماء التي اختارت أن تنتصر للجمال، وللإنسان، وللروح التي ما زالت تؤمن أن العالم يمكن أن يصبح أكثر رقة عبر الفن.




